لا للفتن والمحن بل للتماسك...

فيصل مرعي |

ما احوجنا في هذا الزمن العصيب الى جمع الشمل واللم. 

ما احوجنا الى العقول الحكيمة والاذهان اللطيفة.

وما احوجنا الى رجالات يغلبون لغة العقل والمنطق على كل لغة، بغية لجم ما يحدث، لا سيما وان التدهور، سياسياً، واقتصادياً، وحتى أمنياً على قدم وساق، ما يدل دلالة واضحة على ان لبنان هو الحلقة الاضعف، والاكثر تضرراً في حال بقائه في دائرة النزاعات، والهرطقات، والانقسام، والصراع على النفوذ.

ان ما يجري الآن على التراب اللبناني من تدخلات، واملاءات، ومشاكسات وتجاذبات سياسية، قد يعود بهذا البلد الامين القهقري سنين طوالاً، بعد ان راح يتعافى شيئا، فشيئاً. واذ كان قدر اللبنانيين المساكنة والعيش المشترك، فما عليهم الا الالتزام بهذه الديمقراطية التوافقية، وبهذا التنوع الذي صنع لبنان وساهم في قيامته، وحمى مقوماته ومكوناته. فكان ان لبنان اكبر من رسالة، واكبر من وطن، انه قيمة لا تماثلها قيمة.

وعلى هذا، علينا جميعاً، نحن اللبنانيين، صون لبنان، وحمايته، والحفاظ على وجوده، وديمومته، وعلى هويته العربية، في هذا المقلب الثاني من الكرة الارضية، فلا يعود ينهزم هذا البلد، في وقت كثرت فيه الهزائم.

وهذا ما اكدته الايام، والاحداث، ونوائب الدهر وصروفه. فما من معتدٍ، او طامع، الا وعاد على اقفائه، وبخفي حنيْن، فالمطلوب، في هذه اللحظة من الجميع التماسك اكثر فأكثر، تقوية للوحدة الوطنية، وتثبياً للسلم الاهلي، لا سيما وان الجميع دافع عنه، كل على طريقته وبأسلوبه..

وبعد حرب ضروس تحلّق الجميع حول طاولة حوار برعاية عربية ودولية، نتج عنها اتفاق "الطائف" الذي اوقف الحرب، واكد على المناصفة السياسية، وبسط الدولة سيادتها على كامل التراب اللبناني، فكان ان التفّ الجميع حول الدولة، ودستورها، ومشروعها، ومرجعيتها.. ومن ثم كانت التهدئة سيّدة الموقف حيث اقيمت المصالحة الوطنية الكبرى برعاية الزعيم وليد بك جنبلاط، والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير.

مصالحة توِّجت برعايتهما، فعمّ السلام والاستقرار مغارب لبنان ومشارقه، فكانت برْداً وسلاماً على الجميع. واليوم لا يمكن لأحد التّنكر لها او هزَّها مهما بلغ جبروته، سيما وانها اصبحت ثابتة من ثوابت الوطن، خاصة وان التلاعب بها كمن يتلاعب بالمصير والوجود.

وعلى هذا، فإن دعوة الجميع للانفتاح والحوار في ظل الاوضاع المتفاقمة، ربما تعني اكثر ما تعني، اعادة الامور الى طبيعتها، وتطبيع الحياة السياسية مع كل الاجنحة على الساحة اللبنانية. وهكذا تكون المصالحة، مصالحة مع الوطن. فلا حل الا باستمرار الحوار، الجدّي والمنتج، وبعناية الدولة. واذا كان الامر غير ذلك، فأين نحن من قيامة لبنان في هذا الشرق الكبير.

فما احوجنا الى الحلول السريعة درْءاً، لما هو آت، ولِمَا هو قادم. فالاتحاد الاتحاد لا غير. فلا مجال بعد اليوم للمحن والفتن..