الدروز كما لم تروهم من قبل...

22 تموز 2019 10:28:00 - آخر تحديث: 10 أيلول 2020 12:06:29

لم يكن الدروز تاريخياً على علاقة طيبة بقصر بيت الدين، وما علق بذاكرتهم من باني هذا القصر يذكّرهم دائما بالمكيدة التي دُبِّرت بحق بشير جنبلاط والتي أدت الى موته، فالجبل حينها لم يحمل بشيرين.

هكذا يقرأ الدروز التاريخ ويتعلّمون منه في حاضرهم ولمستقبلهم، وهكذا بدت صورهم المعلّقة في زوايا ذلك القبو الأنيق العابق بالتاريخ في مدخل قصر بيت الدين، مختزلة الكثير من تاريخهم بلوحات من توقيع المصوّر الفرنسي جاك دبغيان، ومن ضمن فعاليات مهرجانات بيت الدين الدولية.

للوهلة الأولى قد يكون حجم التوقعات أكبر لمعرض صور يحاكي مجتمعا كالموحدين الدروز، الا انه حدث يحصل للمرة الأولى بهذه التقنية التصويرية العالية الجودة، ولو لم نكن على علم مسبق بما فعله دبغيان لكنا اعتقدنا ان عمر هذه الصور يعود الى عقود من الزمن، ربما لأن تقاسيم الوجوه وتعابيرها لدى رجال الدين الدروز تحافظ على خطوط تعبر بعيداً في كل ما تحويه من عفوية وصدق وأصالة، ليصحّ بهم وصف "أبناء الأرض" الذين لا عمر لهم، وهنا يمكن أن نفهم قليلا عنوان المعرض "سادة الأسرار".

"فالمجتمع الدرزي يملك قدرة على الإدهاش لم يتراجع وهجها منذ أيام المستشرقين، فهو حافظ سرّ ودين، وصفه جيرار دو نيرفال ولامارتين بأنه غامض، وما زال كذلك حتى اليوم، فقد حافظت هذه الطائفة على تقاليدها واحتفظت بهالة غامضة على الرغم من تطور المجتمع المعاصر"، هكذا عرّف المعرض عن نفسه في لوحة على البوابة الرئيسة، فسادة الأسرار كان ليكرّم هذه الطائفة التي فتحت أبوابها للفنان دبغيان من خلال مبادرة الانفتاح والوقوف أمام الكاميرا.

ويتمحور هذذا المعرض حول فكرة إعادة اعتماد تقنية فوتوغرافية قديمة وهي "الكولوديون الرطب" وهي عملية تؤدي الى الحصول على لوحة زجاجية سالبة عن طريق تركيبة كيمائية تتكون من نترات السليلوز المذابة في خليط من الأثير والايتانول، وبعد وضع المزيج على اللوحة، يتم غمره في مغطس من نترات الفضة فيصبح حساسا على الضوء، عندها يتمكن الفنان من التقاط الصورة بتقنية وجودة عالية.

وكما هم الدروز عابرون في معتقداتهم للزمن، منذ عهد الحكماء الاوائل، هكذا عُرضت لوحات دبغيان الذي قام بإمحاء عنصر الزمن في المعرض تاركاً فرصة للغوص في معاني الوجوه والمناظر الطبيعية كما الجماد.

وهكذا بوجوه اليوم وألوان الماضي امتزج حاضر المجتمع الدرزي بتاريخه وكل ما يختزنه من ثقافة وتقاليد وقيم ومحطات ونضال، وهكذا صمدوا ألف عام ومعها قيم ملايين السنين التي حفظوها فاستحقوا لقب "سادة الأسرار"... ولأجل كل هذا هم في هذه الصور كما لم تروهم من قبل.