من "جلسة شاي" إلى حزب "المعموديَّات"... كيف استمر التقدمي الإشتراكي لـ75 عاماً؟

30 نيسان 2024 20:34:55 - آخر تحديث: 01 أيار 2024 20:45:39

لم يكن يدري غسان تويني أنَّ "جلسة الشاي البرجوازيّة"، ستخلق حالة اجتماعية ووطنية جديدة في لبنان، لم يعِ أنَّها ستُكوِّن نهجاً جديداً في العمل السياسي، يطرح أسئلة جوهرية ويستتبعها بطروحات جديّة وجديدة حول الدولة والإنسان، في وطن حديث النشأة لم يتخط عمره الست سنوات.

لم يعرف تويني، أنَّ حزباً سيأتي ليتحدّى عقلية "السلطان سليم" في إدارة شؤون البلاد، ويُعيد دراسة "الميثاق الوطني" لوطن كان بأمسّ الحاجة لمن يقرأ بتفاصيل ذلك الميثاق، ودوره، فيطرح صيغة جديدة تكون لكل اللّبنانيين، ولا تستثني منطقة أو مكوّن، من الجنوب إلى الشمال فالبقاع. 

باختصار، لو استشرف الكبير غسان تويني، ما ستنتجه تلك الجلسة في ذلك الأحد، مطلع أيار العام 1949، لما اعتبر  إطلاق الحزب التقدمي الاشتراكي من دارة المعلم كمال جنبلاط في منطقة المتحف في بيروت، "جلسة شاي برجوازيّة". 

يقول بعضٌ ممَّن عاصروا تلك الحقبة، إنَّ الجلسة التي عقدها كمال جنبلاط في منزله، يوم أعلن تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي كانت جديدة لجهة الوجوه المتنوعة التي ضمّتها. لقاء في دارة المعلّم، جمع إبن الأزهر واللّغوي الأديب، الشيخ عبدالله العلايلي، بالاشتراكي الذي رأس جبهة اتحاد العمل الوطني فريد جبران، وبالصّحافي والشاعر التقدّمي ألبير أديب، وبالمحامي والمشرّع فؤاد رزق، وبالطبيب والكاتب اليساري جورج حنا وعدد من الصحافيين وأصدقاء المعلّم. وعلى الرغم من الوقع الكبير للجلسة في الأوساط اللّبنانيّة، إلا أنَّها أتت بعد جهود واجتماعات مطوّلة، التقى فيها المعلّم كمال جنبلاط مع مجموعة كبيرة من المثقّفين والعمال قبل تأسيس الحزب، الذي صار واقعاً بعد سنوات من التأمّل والتفكير الدقيق بفكره والرسالة التي يُراد أن يحملها والدور النهضوي الذي عليه القيام به. 
تأسّس "التقدمي الاشتراكي"، برسالة واضحة مفادها، "تركيز الكيانات والمؤسسات البشريّة على المثل الإنساني الأكمل، الذي ينتج عنه في الحقل الزمني، حيث الدولة تُقدّس أو تُلعن، تَخصب مؤسساتها أو تعقم بقدر ما تخدم أو لا تخدم هذا الإنسان"، أي بكلام آخر، حزب تمحور حول الإنسان أولاً وأخيراً، وأراد كمال جنبلاط منه تحرير هذا الإنسان وتطويره ليتقدّم في مجتمع قائم على أساس الديمقراطيّة الصحيحة، تسود فيه الطمأنينة الاجتماعية والعدل والرخاء والسلم والحريّة إذ تُؤَمَّن فيه حقوق الانسان ضمن ثلاثة مرتكزات: الحريّة والاشتراكيّة والعروبة لبنان.

سرعان ما بدّل الحزب التقدمي الاشتراكي، المشهد اللّبناني، فارضاً تغييراً في النهج السياسي التقليدي. ليتحوّل الحزب المنبثق عن "جلسة الشاي"، إلى حزب "المعموديَّات"، التي كانت أولى فصولها، معموديّة الدم في 18 آذار 1951 في الباروك، يوم سقط للحزب الذي لم يكن قد بلغ السنتين من عمره 3 شهداء في مهرجان الجبهة الوطنيّة الاشتراكية. لتكرّ سُبحة المعموديّات بعد ذلك التاريخ، فيُقترن إسم "التقدمي الاشتراكي" بالنضال المستمر الذي جرف رؤساءً وأنظمةً ومشاريع إلغائية أو تقسيميّة واستمرّ. 
 
الحزب في يوبيله الماسي

أتمَّ الحزب التقدمي الاشتراكي، عامه الـ75، وحافظ منذ تلك الجلسة في الأول من أيار عام 1949 على تبوؤ المشهد اللّبناني والتأثير فيه، إنطلاقا من رسالة طُبّقت من التأسيس إلى اليوم، وهي، كما كتبها كمال جنبلاط حرفياً في افتتاحية جريدة الأنباء بتاريخ 30 تشرين الأول 1953، "يجب أن يكون في الحزب على الدوام، آلة تمشي من تلقاء ذاتها، من جرّاء تحسّسها بالمسؤوليّة الحزبيّة وبالمسؤوليّة الشعبيّة". 
تلك القاعدة، التي أرساها المعلّم بقيت حيةً دائما، تدفع التقدميين الاشتراكيين للمبادرة والعمل لا للوقوع بفخّ التمنّيات. دفعت هذه القاعدة الحزب التقدمي الاشتراكي لتحمّل المسؤولية وعدم الهروب من أي معركة أو استبدال السعي والعمل بالأمل.

يقول المعلم كمال جنبلاط في سياق متّصل: "لا يهمّ أن يكون لدى الناس أمل أو أن لا يكون لهم ذلك، بقدر ما يهمّنا أن يعمل الإنسان واجبه تجاه نفسه ونحو بلده". 
من هنا أتت المسؤولية، توأماً لم ينفصل عن المسار الحزبي لا مع كمال جنبلاط ولا مع وليد جنبلاط أو تيمور جنبلاط. ومن هذا النّهج، أتت خيارات الرئيس وليد جنبلاط في مختلف الحقبات، التي فرّق في كل واحدة منها، بين الواقع والتّمنيّات. 

لم يهرب من المواجهة، وهكذا فعل التقدميّون. فقاد الحزب  كلّ مراحل التاريخ اللّبناني من العام 1977 إلى اليوم. فكان الحزب في كل محطَّة المبادر لا المُنكفئ أو المُتلقي. وكان ألف باء النشاط السياسي يتمثّل، كما كتب كمال جنبلاط في كانون الثاني 1972، "بأنَّ الأفعال يكتنفها باستمرار الخطأ والصواب، ونسبة معيّنة من كل منهما". 

وهذا كان أمر طبيعي طوال السنوات الخمسة والسبعين التي كان التقدّمي فيها متصالحاً مع نفسه، وخياراته ونهجه وعمله وتاريخه. لم يتهرّب من الحق أو الحقيقة ولم يكذب على الجماهير أو يقول خطابين أو يتحدّث بلغتين. حزب جريء، لم يستوحش الطريق الصحيح لقلّة سالكيه، فأمست "جلسة الشاي"، محطة نحكي عنها بعد 75 عاماً، وسيحكي عنها مَن يتبعنا، بعد 75 أعواماً مقبلة!