عدا كل ما قدمه... ماذا يريدون من وليد جنبلاط بعد؟

ربيع سرجون |

ما الذي يريدونه من وليد جنبلاط بعد؟ ينظر المرء إلى ظلّه فيظنّ نفسه مارداً، تلك الحكاية المأساوية التي ترافق من لا يعرفون أحجامهم ولا مقاديرهم، فيلجأون إلى الصراخ، والمتاجرة بالدم، والتوتير ليعرفوا أنهم موجودون. يصرخون لعلّهم يسمعون أوهامهم التي تتورّم في رؤوسهم، فيظنون أنهم يقارعون طواحين الهواء.

 

ثمة من يعشق الظهور، وينتظر مصيبةً تخرجه إلى الضوء، فيأمل أن تستمر فصول المصيبة، ليطول ظهوره، تماماً كمن يحرق بلداً ليشعل سيجارته. وربما سيجارة المير لا تريد أن تنطفئ إلا بعد قطع أنفاس الدروز واللبنانيين. أحرق المير أرواح شابين بعمر الربيع، وأذابَ قلوب أهاليهم، ولم ينته بعد من إشعال سيجارته. زرعَ القلق في الجبل ولا يزال، ويفتح الأبواب كلها على التدخلات من هنا وهناك، والارتهان لهذا وذاك، لعلّهم يساندونه في الحصول على فتات سياسي من فضلاتهم.

 

قدّم وليد جنبلاط كل ما يُطلب منه، وأعلن استعداده للقبول بالذهاب إلى المجلس العدلي، وسلّم المطلوبين من قِبله، وأعلن استعداده للمصالحة حفظاً للدم، وللوحدة الوطنية، والسياسية والطائفية، وأبدى إيجابية في الذهاب إلى بعبدا لتتويج الحلّ. لكنهم رفضوا كل ذلك. ما الذي يريدونه؟ ربما هم لا يعلمون، لأن هكذا قد طُلب منهم. وافق جنبلاط على المجلس العدلي، لكنهم يصرّون بأنهم يريدون الإحالة على المجلس العدلي. ما يفعلونه فقط، هو عدم تسليم مطلوبيهم للتحقيق معهم، ليقينهم بأن التحقيقات ستكشف الحقيقة. سيخسرون الأوراق التي يدّعونها ويتاجرون فيها. يعلمون أن التحقيقات ستقلب الأمور رأساً على عقب، ومن يدّعي دور الضحية سيظهر جلّاداً على حقيقته.

 

يرفضون المحكمة العسكرية، ويرفضون القضاء، ويرفضون تسليم المطلوبين، ويتّهمون وليد جنبلاط، وهو الذي قدّم كل التسهيلات لإنجاز التحقيق، وسلوك القضية مسارها القضائي، رافعاً الغطاء عن كل المعنيين. لكنهم هم الذين اعتادوا إخفاء المطلوبين، وتغذية المتهمين وشذّاذ الآفاق. يرفضون تسليم المتّهمين من قِبلهم، كي لا يخسروا ورقة المتاجرة بوحدة الجبل وسلامته واستقراره، وأكثر من ذلك يرسلون رسائل التهديد بافتعال الأحداث الأمنية ما لم يكن لهم ما يريدونه.

 

تكاد تكون هذه الأيام من أسوأ الأيام التي تشهدها الحياة السياسية في لبنان، والتي تمرّ فيها البلاد. ولم تعهد الطائفة الدرزية وجود هذا النوع من النماذج المستعد لإحراق أبنائها كرمى لعيون من حرقوا شعوبهم، وسحقوا مجتمعاتهم. لم تعهد الطائفة الدرزية أشخاصاً في تاريخها عملوا على الاستناد على قوة غيرهم لتحقيق الشرخ داخل بيئتهم وطائفتهم، والاستقواء على الآخرين فيها. ولم تشهد من سمح لقوى مختلفة أن تتدخل في الشؤون الداخلية للطائفة. يفعلون كل ذلك، طمعاً بمنصب من هنا أو موقع من هناك.

 

يصرّون على إحالة ملف حادثة البساتين على التصويت، وربما يراهنون على الضغوط التي ستأتي على بعض الوزراء لإجبارهم على التصويت مع هذا القرار. الغاية واحدة ومعروفة، وهي تصفية الحساب مع وليد جنبلاط، والانتقام منه سياسياً. وإن لم ينجح الانتقام السياسي، فبالتأكيد رسائل تهديدهم تؤشّر إلى الانتقام من وليد جنبلاط أمنياً، سواءً بإثارة القلاقل، واستهداف الجبل والطائفة، أو باستهدافه شخصياً. وهل يوجد بعد من يشكّ في أن المعركة التي يريدونها مع وليد جنبلاط، هي معركة انتقام سياسي لتطويعه وتطويع الدروز، إذ هو يشكّل العقبة الوحيدة أمام استتباع البلد كلياً وتطويعه؟