عن "أرمينيا اللبنانية": تقارب وتباعد!

د. وليد خطار |

من الممكن أن العنوان لا يعبّر بدقةٍ عن مضمون الفكرة، ولكنها تخص بشكل أساسي المواطنين الأرمن الذين يعودون إلى وطنهم الأم بعد أن أصبح لبنان وطناً على حافة الانهيار.

على هامش مؤتمر علمي في يريفان، عاصمة أرمينيا، التقيت ببعض الزملاء المواطنين اللبنانيين الأرمن الذين عادوا إلى أرمينيا، وبدأوا بتملّك مساكن، ودخول سوق العمل في وطنٍ عانى من السيطرة السوفياتية طيلة ما يزيد عن نصف قرن، والذي أخذ استقلاله بعد أن فرط عقد الاتحاد السوفياتي، وبدأ بخوض معركةٍ تأسيس دولة منظّمة. ويعتزّ الأرمن بأنهم قد غيّروا النظام بثورة سلميةٍ لم ترق فيها نقطة دم واحدة.

الحريات، والديمقراطية، والسلم داخلي، والأمن، والأمان، وجميع ما ينقصنا في لبنان وجده مواطنونا الأرمن في الوطن الذي هُجّروا منه بعد مذابح تشبه إلى حدٍ كبير المذابح التي قام بها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني.

والدول التي تحيط بأرمينيا ليست بأكثريتها صديقةً للوطن الأرمني، من تركيا، العدو التاريخي اللدود، وأذربيجان، وجورجيا، وإيران. وبالمجمل فإن تلك الدول جميعها لا تستسيغ هذه الدولة الواعدة بشعبها العملي الذي حفر في صخور جبال آرارات حضارةً مميزة في الدول الأورو- آسيوية.

واذا استعرضنا تاريخ الأحزاب الأرمنية اللبنانية التي تزاول عملها السياسي في لبنان، نجد بأنه أصبح في أرمينيا من تاريخها، وحلّت محلّها أحزابٌ على النمط الغربي. مع أن حزب الطاشناق حكم أرمينيا سنتين قبل انضمامها إلى المجموعة السوفياتية. 

لا تستطيع في أرمينيا أن تتسوق إلا بعملتها الوطنية، فوباء الدولار لا يزال بعيداً عنها. واعتزاز المواطنين بعصبيّتهم الوطنية يعطيهم إمكانية الصمود في محيطهم، فالحذر الذي يعانوه من دول الجوار مردّه إلى حرفيّتهم العالية التي صدّرت إلى إيران صناعة السجاد، وإلى جورجيا حيث يعتز الأرمن بأنهم من بنوا تبليسي عاصمتها.

إن الشعب الأرمني الطيّب المقاوم لمآسي تاريخه، انتفض باستقلاله الجديد، واضعاً نُصب عينيه نهضة وطنه. 

ليتنا نتحول عندنا إلى لبنان الأرمني، ونحاول إعادة بلدنا إلى جذوره الوطنية الخيّرة، ونبتعد عن عمالة البعض للخارج، إن كان سورياً، أو ايرانياً، أو إسرائيلياً، ونحمي وطننا من لعبة الأمم التي لا ترحمنا مثلما لم ترحم الشعب الأرمني الطيّب.