بعض فصول العلاقات الأميركية - البريطانية

التجاذبات السياسية ليست حكراً على المُتخاصمين، فبعض فصولها يجري بين الحلفاء وبوتيرة متصاعدة، قد يهضُمها الجو العام أحياناً، وقد تؤدي إلى مشكلات سياسية غير مُنتظرة أحياناً أخرى. وينطبق على حالة التجاذبات بين الأصدقاء ما يحصل في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في الآونة الأخيرة؛ حيث وصلت التباينات إلى حد المناكفة العالية النبرة في بعض الملفات، والتدخُل في الشؤون الداخلية، وعادةً ما يؤدي هذا التدخُل إلى إزعاجاتٍ متقابلة ينتج عنها توتر غير متوقع.

ترتبط الولايات المتحدة وبريطانيا بعلاقات تاريخية متينة منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية. والدولتان الكبيرتان عضوتان دائمتان في مجلس الأمن الدولي، وفي حلف شمالي الأطلسي، ولم تؤثر في متانة العلاقات بينهما الخلافات التي تحصل بين الحين والآخر؛ لأن التعاون الاستراتيجي بين البلدين أقوى من التباينات الصغيرة.
من القضايا التي أزعجت واشنطن من حليفتها الأوروبية؛ انخراط بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، والذوبان في تنوعاته الشائكة على حد وصف أحد الخبراء؛ لكن العلاقة المُميزة بين البلدين بقيت رغم هذا الانخراط. أما الخروج -(البريكست)- فقد جاء هدية غالية الثمن للولايات المتحدة؛ لأنه فرصة تاريخية لإعادة تثبيت التحالف الفريد بين البلدين، وهو يُحرر بريطانيا من القيود المُلزمة في علاقاتها الخارجية، لاسيما مع الولايات المتحدة الأمريكية.

لا تخفي إدارة الرئيس دونالد ترامب ارتياحها لنتائج التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي جرى قبل ثلاث سنوات، وقد عبّر ترامب عن امتعاضه من المفاوضات المُملة، التي أجرتها رئيسة الوزراء تيريزا ماي مع الاتحاد الأوروبي، والتي كانت تتركز على إبقاء الترابط الاقتصادي بين بريطانيا والاتحاد، بينما أبدت واشنطن استعدادها؛ لتعويض بريطانيا بعض الخسائر الاقتصادية؛ من خلال تطوير مستوى التعاون التجاري معها؛ بعد الخروج من القيود الأوروبية. علماً أن الاتحاد الأوروبي كان قد وضع عقوبات على صادرات الصلب الأمريكية العام الماضي.

خلال زيارته إلى بريطانيا مطلع شهر يونيو/ حزيران الماضي؛ قال الرئيس ترامب: إنه يؤيد وصول بوريس جونسون لرئاسة الحكومة، خلفاً لتيريزا ماي؛ لأن جونسون يؤيد الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي من دون مفاوضات ولا اتفاق. وقد اعتبرت ماي وبعض الشخصيات البريطانية ذلك تدخلاً في الشؤون الداخلية البريطانية؛ لكن تصريحات ترامب لم تمنع استقباله من ماي بشكل لائق، وتوفير برنامج مكثف له ولعائلته في بريطانيا.

وما أثار الأوساط الشعبية، وأدى إلى خروج تظاهرات معارضة لزيارة الرئيس ترامب في شوارع لندن؛ التغريدة، التي أطلقها بُعيد وصوله، ووصف فيها رئيس بلدية لندن صادق خان ب«الفاشل».

الأزمة الأخيرة التي استجدت على العلاقات بين البلدين؛ كانت بسبب التغريدات المتلاحقة، التي أطلقها ترامب عبر حسابه على «تويتر»، وهاجم فيها السفير البريطاني في واشنطن السير كيم داروش، ووصفه ب«الغبي والمكروه»؛ لأن داروش بعث بتقارير دبلوماسية إلى بلاده، تُشكك بكفاءة ترامب، وبقدرته على الحكم. وقد سارعت رئيسة الوزراء المستقيلة تيريزا ماي بالوقوف إلى جانب السفير ودعمه، وانتقدت تغريدات ترامب ضده.

هذه التجاذبات الدبلوماسية والسياسية بين المسؤولين البريطانيين والأمريكيين؛ لا تُفسِد للود قضية؛ ذلك أن الغرام السياسي بين البلدين أكبر من تفاصيل المناكفات الشخصية. وهذه المناكفات لو حصلت بين دولتين غير الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا؛ لكانت أدت إلى أزمة كبيرة، ربما تصل إلى حد قطع العلاقات.

ولم يمرّ زمن طويل على إثبات الود بين البلدين؛ رغم المناكفات التي حصلت؛ حيث وقفت واشنطن بقوة إلى جانب لندن في مواجهة التهديدات الإيرانية، التي أطلقتها طهران في أعقاب حادث احتجاز سفينة الشحن الإيرانية المحملة بالنفط الإيراني في ممر مضيق جبل طارق. وبريطانيا كانت تراعي في هذا الاحتجاز العقوبات، التي يفرضها مجلس الأمن على سوريا، والعقوبات الأمريكية المفروضة على تصدير النفط الإيراني.

ما ينطبق على العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لا يُشبه ما تجري عليه نمطية العلاقات الدولية بين دول مختلفة أُخرى. ولا يستطيع أي مراقب لما يجري أن يتنكَّر للخصوصية، التي تسير بها هذه العلاقات منذ القِدَم، وبعض فصول التوتر لا يلغي ثابتة الصداقة الدائمة.