شبكات غير شرعية وبؤرة للهدر... إليكم كواليس وأسرار الإنترنت غير الشرعي

10 آذار 2024 18:57:43

لطالما شغل ملف الانترنت غير الشرعي الرأي العام اللبناني وتصدر عناوين الصحف ومقدمات النشرات الإخبارية، إذ كان ولا يزال التحدي الأصعب لوزراء الاتصالات الذين تعاقبوا على هذه الوزارة، نظراً للعقبات التي تواجههم لمنع هذه الظاهرة من الانتشار والحد منها دون استنسابية سياسية او شخصية، وهي التي أدت و مازالت تؤدي إلى خسارة واردات مالية اساسية وكبيرة تساهم في تمويل خزينة الدولة اللبنانية.

بدايةً، ما هو الانترنت غير الشرعي او الشبكات المنشأة خلافاً للقانون؟

نص المرسوم الاشتراعي رقم 126 الصادر بتاريخ 12/6/1959 المادة 189 على التالي:
"يحصر بوزارة البريد والبرق حق انشاء شبكات المواصلات السلكية واللاسلكية وإدارتها وصيانتها واستثمارها… ولا يحق لأي كان سواها داخل أراضي الجمهورية اللبنانية أن يقيم او يؤسس او يدير او يستثمر أي خطوط او اجهزة تصلح لتأمين البرقيات والإشارات والصور سلكية او لاسلكية إلا بإذن خاص يُعطى بمرسوم يُتخد في مجلس الوزراء".

وبالتالي فإن اي شبكة اتصالات تعمل على الأراضي اللبنانية غير الشبكات المنشأة من قبل الدولة أو من قبل شركات نقل المعلومات المرخصة تعتبر بالتالي شبكة غير شرعية لا تخضع للمعايير وتهدر حق الدولة في الايرادات المتوجبة.

 قام بعض مزودي الخدمة غير الشرعيين سابقاً باستجرار سعات إنترنت دولية غير شرعية عبر محطات التقاط خارجية إما من تركيا او من قبرص، وتم ضبط العديد منها في حينه، أما اليوم وبعد انهيار العملة اللبنانية اصبحت كلفة سعات الانترنت الدولية عبر الدولة اللبنانية اقل مما ادى الى اختفاء ظاهرة الاستجرار من الخارج، وبالتالي إضطر جميع مقدمي الخدمات ومنشئي الشبكات غير الشرعية إلى تأمين الخدمة عبر وزارة الاتصالات، وهذا ما ساعد الوزارة على تقدير عدد المشتركين عبر هذه الشبكات والعمل على إقرار مراسيم تضبط هذه الظاهرة وتعيدها إلى كنف الدولة.

صدر  المرسوم رقم 9458 بتاريخ 24/6/2022 والذي يعنى بإطلاق خدمات جديدة وتعديل التعرفة، والذي تناول في قسمه الرابع موضوع الشبكات المنشأة خلافاً للقانون وذلك بهدف وضع خطة متكاملة لتنفيذ ضبط هذه الشبكات وتنظيم العلاقة بين الأطراف المتعددة بما يضمن تأمين تحصيل الايرادات لوزارة الاتصالات ومنع الامتداد غير المنظم للشبكات المنشأة خلافاً للقوانين عبر تفعيل نقل الخدمات للمشتركين تدريجياً من خلال الشبكات الشرعية والمرخصة.

وبناءً عليه اصدر وزير الاتصالات عدة قرارت تطبيقية لضمان صحة تطبيق هذ القسم من المرسوم:
− القرار رقم 399/1 بتاريخ 6/7/2023 (تشكيل لجنة مختصة للقيام بالمهام استناداً لأحكام القسم الرابع من المرسوم 9458)
− القرار رقم 544/1 بتاريخ 9/10/2023 ( وضع آليه تطبيقة لتنفيذ المرسوم 9458)

لقد أكد وزير الاتصالات في عدة مناسبات ان الهدف الاساس من القسم الرابع من المرسوم 9458 الذي يعالج موضوع  شبكات الانترنت المنشأة خلافاً للقانون هو تنظيم قطاع الاتصالات، حماية المواطن ومنع الاحتكار عنه، بالاضافة إلى تأمين مدخول إضافي للدولة يقدر بـ 60 مليون دولار سنوياً. كما استنفد وزير الاتصالات وفريق عمله كل الطرق والوسائل في محاولة إقناع وتطمين اصحاب الشبكات المخالفة، عبر اللقاءات المباشرة وعبر وسائل الاعلام، مؤكداً ان وجودهم حاجة للدولة في الوقت الحالي، وانه فيما يخص شبكاتهم المنشأة فإن الملكية الفردية مصانة في الدستور اللبناني وللقضاء وحده الحق في البث في مثل هذه القضايا، بالاضافة إلى ان هذا المرسوم يعطيهم الحق في العمل تحت سقف وزارة الاتصالات عبر توقيع عقد صيانة مع الدولة يمكّنهم من استرجاع قيمة 60?? من رسم الـ bitstream المحدد في المرسوم بـ 550،000 ليرة لبنانية لصالح موزّع الخدمة مقابل صيانة شبكة التوزيع.

يعتبر اصحاب الشبكات المنشأة خلافاً للقانون ان وجودهم شرعي وجاء نتيجة لتقصير الدولة في  تأمين خدمة انترنت مقبولة في مناطق تواجدهم، فهم استثمروا في هذا القطاع ودفعوا مبالغ طائلة لإنشاء شبكاتهم لتغطية عجز الدولة عن تأمين هذه الخدمة، وفي الوقت نفسه هم يسددون كلفة السعات التي يحصلون عليها من الدولة عبر شركات مزودي خدمات الانترنت المرخصة قانوناً. لكنهم يتجاهلون مخالفتهم في انشاء شبكات داخلية لنقل المعلومات خلافا للقوانين وعدم دفعهم لمستحقات الدولة عن هذه الشبكات.

الاول من آذار كانت المهلة الأخيرة لأصحاب الشبكات المخالفة للتقدم بالتصريح لوزارة الاتصالات عن شبكاتهم وضبطها، قبل إحالة الممتنعين عن التصريح إلى النيابة العامة المالية لإجراء المقتضى القانوني.

من الواضح ان وزير الاتصالات يعمل جاهداً من خلال المرسوم 9458 للتوفيق بين مختلف الافرقاء خدمةً للصالح العام وحفاظاً على استمرارية تأمين الخدمة للمواطن مع الحفاظ على حق الدولة في تنظيم القطاع ومن ثم الحصول على الإيرادات، مع السعي في الوقت نفسه للمحافظة على دور شركات نقل المعلومات الشرعية وتشجيعها على الاستثمار لتحسين الشبكات ضمن مراسيم ترخيصها والقوانين مرعية الاجراء وبالتالي تحسين الخدمة. 

ولكن للأسف، كما في كل شيء، يبدو ان هناك اطرافا متضررة من هذه الخطة المتكاملة تحاول ولمصالح شخصية ذر الرماد في العيون، وتشويه الحقائق في الإعلام وتأليب اصحاب الشبكات المنشأة خلافاً للقانون على المرسوم عبر اختلاق الأكاذيب والفبركات مستغلين عدم معرفتهم بكافة الحيثيات والتفاصيل.

بين انشاء شبكة دون رخصة وعلى الاملاك العامة للدولة وبين حاجة المواطن للخدمة، بين عدم قدرة الدولة على تأمين الشبكات على كافة الأراضي اللبنانية وبين احتكار واستغلال المواطن وتحميله اعباء ورسوما اضافية، بين الشرعية وغير الشرعية، يبقى الحل الامثل والأسلم في ملاقاة الوزير وسط الطريق وتطبيق المرسوم بما فيه حفظ المال العام و مصلحة المواطن وحق صاحب الشبكة.