رسالة جنبلاط واضحة... وليبحثوا عن كسر الضعفاء

ربيع سرجون |

وحده وليد جنبلاط قادرٌ على تحريك المياه السياسية الراكدة. يعرف الرجل أين يُقدِم، وكيف يستتبع خلفه من يعيشون معاناةً سياسيةً مكتومة. يُتقن فنّ الإقدام، ويحددّ بدقّة لحظة الإحجام. اليوم الحدث في لبنان هو وليد جنبلاط، وحيث لم تعد الاهتمامات الداخلية تنحصر على الداخل، بل ترتبط بكل تشعّباتها الإقليمية والدولية. قبلَ مواقف جنبلاط السياسية، واستمرار الحملات التي يتعرض لها في محاولاتٍ لإلغاء دوره أو تحجيمه، كانت القوى السياسية اللبنانية غارقةً في تفاصيل سطحيةٍ وبسيطة تتعلق بموظفٍ من هنا، وموقعٍ إداري من هناك، بعيداً عن أي معنى للسياسة.

ربما مشكلتهم مع وليد جنبلاط هي أنّه الوحيد الذي لا يجيد مفارقة السياسة بفنونها. وما لا شك فيه هو أنّ الرجل تمكّن، بعد جهد، من قلب الميمنة على الميسرة. وبالتأكيد فهو لم يكن في وارد الدخول في سجالاتٍ سياسية مع أي طرف سياسي في البلد، وهو الحريص على التسويةِ والاستقرار، وهو الذي قدّم التنازلات تلو الأخرى في سبيل الحفاظ على التسوية. لكن ما جرى مؤخراً دفَعهُ إلى وضع النقاط على الحروف، مذكّراً بوليد جنبلاط الذي لا يتراجع، ولا يعرف الهوان لحظة توجيه السهام.

  وضع وليد جنبلاط النقاط على الحروف بأنه لن يساجل، ولكنه لن يتساهل أو يتهاون بعد اليوم. بلغَ السيلُ الزبى، وقال صراحةً إنّه يخاصم رجالاً ويصادق رجالاً، وذلك في موقفٍ واضحٍ منه بأنه لن يتداخل مع تفصيليين يطمحون للعب الأدوار على الساحة المحلية. بلا شك أن الحملة التي كان يتعرّض لها الرجل منذ أشهر طويلة كانت قاسية، وربما ما كان يريده مهاجموه هو إبعادُه عن التأثير المحلي. لكنهم اليوم اكتشفوا صعوبة ذلك. وبعد موقفه المدوي مؤخراً، لا يمكن الإسقاط من الحساب أن الحملة قد تتعاظم أكثر، وقد تختلف أشكالها، إلّا أن وليد جنبلاط، يبقى وليد جنبلاط، وهو الذي لحظة يتخذ موقفاً، تتداعى العواصم لاستشراف ما يرى.

رسالة وليد جنبلاط واضحة، ألف سلامٍ على من يحب السلام، وكل الخصام لسهام اللئام. على صعيد التسوية، هو أول من يؤمن بها، ولا يجد طريقاً سواها. وقد أبدى مراراً استعداده لإبرامها، ولكن بشرط الحفاظ على الموقف والثوابت. وهذا هو خياره الذي أثبته منذ التسوية الرئاسية وصولاً إلى ملف حادثة الجبل، واستكمال التحقيقات فيها، وانعقاد جلسة الحكومة. أما بحال الإصرار على منطق المكاسرة، فليبحثوا عن كسر الضعفاء بعيداً، لأن الحياة انتصارٌ للأقوياء في نفوسهم، لا بظروفهم.