لحظة سياسية دولية معقَّدة

16 شباط 2024 07:22:53

بعض الانفراجات التي تبعث على الأمل؛ لا تخفِي صورة الزمن السياسي الصعب والمُعقّد الذي يعيشه العالم اليوم. فمؤتمر دول عدم الانحياز الذي انعقد في كامبالا عاصمة أوغندا في 15 يناير/ كانون الثاني الماضي، ومؤتمر القمة العالمية للحكومات الذي انطلق في مدينة دبي في 12 فبراير/ شباط الحالي، وإعادة بعض الروح إلى ضوابط القوانين العالمية من خلال تفعيل عمل محكمة العدل الدولية؛ لا تكفي للتغطية على الاختناق السياسي الدولي الحاصل، ولا على المآسي الإنسانية الفظيعة التي ترتكب في فلسطين وفي أوكرانيا وفي السودان على سبيل المثال لا الحصر.

منظمة الأمم المتحدة تكاد تعيش أسوأ أيامها من جراء التباعد الحاصل بين القوى الكبرى، وهي لم تُلاقِ مثل التحديات الحالية حتى إبان مرحلة الحرب الباردة قبل العام 1990، حيث لم يتجرأ أحد من المتخاصمين في السابق على المطالبة بوقف عمل الهيئات الإنسانية المُتخصصة، كما حصل مع الهجمة التي تعرَّضت لها وكالة «الأونروا» التي تهتم بإغاثة الفلسطينيين المنكوبين بحجة حصول أخطاء شخصية من بعض أفراد طاقمها في غزة. كما لم يسبق أن تمَّ تهميش دور الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية على الشاكلة التي نعيشها اليوم. بينما التواصل بين القوى الدولية والإقليمية الكبرى لا يظهر على الصورة المأمولة، فبعضه يؤشِّر إلى قطيعة غير معتادة، وبعضه الآخر يوحي بوجود اتفاقيات سرية، لا يجرُؤ أطرافها على الإعلان عنها، لأنها تخفي انتهاكاً لحقوق الآخرين، أو تهميشاً للانتظام الدولي العام.

شغلت الحرب العدوانية على غزة؛ العالم، وفرضت أولويات جديدة على القوى الكبرى المُهيمنة على القرار الدولي، وتغافلت المؤسسات الدولية عن أبشع الجرائم التي ارتكبت بحق الإنسانية، والتي طالت الأطفال الرُضع والمدنيين على اختلافهم، وتمَّ تجريف الممتلكات وتهديم المدارس والجامعات والمستشفيات وأماكن العبادة ومقارّ المنظمات الدولية، بحججٍ واهية، ولم يتمكن المجتمع الدولي بكافة قواه ودولِه وهيئاته من فرض وقف لإطلاق النار، لأن دولة العدوان تحظى بغطاء من دول كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي استخدمت حق النقض «الفيتو» ضد قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، تضامناً مع عدوان القوات الإسرائيلية.

وبدت «انتهازية» بعض المقاربات الدولية واضحة من خلال استثمار مآسي الحرب على غزة في ساحات دولية ساخنة، لاسيما في أوكرانيا، وقد أبدت بعض الدول امتعاضاً من الاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط، بينما تمَّ تهميش الساحة الأوكرانية.

وكل هذا التطورات والأحداث؛ أثرت بشكل كبير في سياق العلاقات التي كانت قائمة بين الدول الكبرى كما بين المجموعات الإقليمية قبل حرب غزَّة، ويبدو أن تفككاً سياسياً يحصل داخل حكومات غربية، كما أن التباعد يتزايد بين بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على خلفيات التطورات الحاصلة. والتخطيط لإجراء مناورات عسكرية ضخمة لقوات حلف الأطلسي تشترك فيها غالبية دول الحلف، والمقررة في مالدوفا بين 5 و24 أيار/ مايو القادم، قد لا تكفي لاستعادة التماسُك الهشّ، ولا يمكن لها أن تخفي مفاعيل تصريحات الرئيس الأمريكي السابق والمرشح الجديد دونالد ترامب الذي قال «إنه سيدعو روسيا إلى معاقبة بعض الدول الأوروبية العضوة بالحلف» علماً أن اختيار مالدوفا لإجراء المناورات العسكرية وهي ليست عضوة في حلف الأطلسي، يحمل تفسيرات متعددة.

صدَّعت الحرب التي تجري ضد غزة والاهتمام الأمريكي الكبير فيها - خصوصاً الطلب من حلفائها الأوروبيين زيادة الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل – العلاقات بين بعض دول حلف الأطلسي، وفرضت أجندات جديدة داخل بعض هذه الدول، وقد بدا التعارض واضحاً بين دول الحلف حول العلاقات مع الصين وحول الإجراءات التي تتخذها واشنطن ولندن في البحر الأحمر، ولم تشترك فيها باقي دول الحلف، كذلك فيما يتعلَّق بعلاقات هذه الدول مع الصين، وفي موقفها من العدوان على الشعب الفلسطيني.

والطروحات التي حملها كل من وزير خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكن ووزير خارجية بريطانيا ديفيد كاميرون في زياراتهما إلى عواصم منطقة الشرق الأوسط، تختلف بعض الشيء عن العناوين التي طرحها وزيرا خارجية فرنسا ستيفان سيجورنيه ونظيرته الألمانية أنالينا بيربوك، وعلى سبيل المثال: فقد طرح الوزيران بلينكن وكاميرون على المسؤولين اللبنانيين إبرام اتفاق بين لبنان وإسرائيل تصبح بموجبه منطقة الحدود على عمق 10 كلم خالية من أي وجود مُسلح غير قوات الجيش اللبناني، بينما اقترح الوزير سيجورنيه والوزيرة بيربوك تطبيق القرار 1701 وتعزيز قوات «اليونيفيل» الدولية.

وما يجري في ألمانيا من اضطرابات سياسية على خلفية المواقف التي اتخذتها الحكومة في بداية الحرب على غزة، مؤشرٌ واضحٌ على التعقيدات الحاصلة، وقد وصل الارتباك السياسي إلى حد مطالبة وزيرة الخارجية بيربوك بإنشاء قوى عسكرية خاصة لتدافع عن أوروبا، وعدم تسليم مقاليد أمن ألمانيا بالكامل لحلف الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. وليس خافياً في هذا السياق الخلافات التي بدأت تظهر بين ألمانيا وبولندا، كما التحلُّل الواضح الذي تبديه هنغاريا وتشيكيا من الالتزام بالموقف الغربي تجاه الحرب في أوكرانيا.