القتل السري عن كمال جنبلاط والقتل السياسي

د. قصي الحسين |
تستند هذه الورقة البحثية في الأساس، لكتاب الشهيد كمال جنبلاط وهو تحت عنوان: “كمال جنبلاط وقضية أنطون سعادة” وقد حمل على غلافه مقبوس كلمته بعنوان: “نحن والعالم” “… علينا أن نعيش حياة العصر. ونشعر شعور العصر. ونمد أيدينا إلى كل جانب. والى الخوافق الأربع. لأجل التضامن والتعاون والالتقاء في الأخوة وفي المحبة وفي النضال الإنساني الأكبر.

وعلينا أن نبصر من خلال هذه التطورات النفسية والمادية والشعبية الضخمة، أن روحاً جديدة بدأت تعصف في الكون. روح الأرض… روح التحسس بوحدة الجنس البشري على وجه هذه المسكونة الصغيرة. التحسس بوحدة الإنسان، وبالتالي أن نسعى جهدنا لتقييم رسالتنا في المحيط العربيّ، وفي المحيط الأوسع، بأن نكون طليعة الّذين يؤمنون بضرورة قيام المؤسسات الحقوقية الدولية الكبرى، وتطوير الأمم المتحدة وأنظمتها، حفاظاً على مستقبل الإنسان وصوناً للسلم والتعاون في العالم..”

وأنا أقرأ أيضاً للمعلم في مقدمة مختارة أقواله: “هنيئاً للفقراء بتجرد ذواتهم عن المادّة لأن لهم ملكوت السموات.. هنيئاً للوديعين، لأنهم سيملكون الأرض، هنيئاً للذين يبكون لأن العزاء سيغمر نفوسهم”. بدا لي أن المعلم يدرس الجوانب النفسية للقتل السياسي وآثاره على الزعيم. إذ يعتق جسده ويشعره بغبطة تقبل الموت وبانعتاق وخلود ووعي كلي. وأن احتقارهم له بالقتل السياسي، فإنما يحتقرون فيه المواطن والإنسان. وحين يتجرع كأس الإهانة حتّى الثمالة، إنما يرتفع فوق قاتليه طبقات، فيتحقق وجوده في صورة المجتمع، بمراحل تطوره البشري المجتمعي، المادي الروحي، الكامل، لينال المعرفة التامة والحرية الكاملة في وحدة الوجود والشهداء والشهود.

فبالقتل السياسي يتجرد الزعيم من “الأنا” ومن كل أنانية عالقة، حتّى الانصهار الكلي في سبيل البشرية وسبيل الله، وهو توحيد لا انفصام فيه بذات الوجود. إنه تيار الأرض الدافع لقوى الكون نحو الصيرورة ونحو التكامل.

يؤكد كمال جنبلاط، أن القتل السياسي، إنما يستبيح في الزعيم الحرية: حرية الخير وحرية الحياة وحرية الوجود، وكذلك يستبيح الديمقراطية المؤلفة بفضل تطور النفسية البشرية واستنباطها للأنظمية الدولية، ونمو الحق الشخصي والحق الدولي، والمساواة. وهو يحذر من تدمير قيم كافح البشر لأجلها. ولذلك كتب إلى رئيس الجمهورية الرئيس بشارة الخوري يقول: يتزايد قلق الرأي العام على مصير الحريات، في هذا البلد، بخاصة حرية الفكر وحرية العمل السياسي.. فليترك للأحزاب جميعاً مجال العمل والحياة. وحرية الصراع أساس النظام الديمقراطي البرلماني، وحق التقدم هو حق الصراع”.
إن هدف الرجل السياسي الذي يحترم نفسه، إنما هو إيقاظ وتنمية شعور الضمير والمسؤولية في نفوس الأفراد والجماهير. ولا زلنا في صدد معركة المعرفة ضد الجهل، والعدالة ضد الاعتباطية وطرق القانون.

ويبدو أن الحكومات، يقول كمال جنبلاط، لا تعمل بشدة وبحزم وبسرعة، إلاّ في حالتين: 1- المصلحة الشخصية الذاتية المستترة أو الظاهرة. 2- المصلحة الدولية أو كليهما معاً.



إن التعاون مع الأحزاب الشعبية، هو أجدى من التخاصم وقتل رئيس الحزب وزعيمه، وقتل وتشريد بعض أعضائه البارزين. وبرأي كمال جنبلاط، إن كلام المسؤولين عن القتل السياسي، فيه الكثير من التناقضات والتعابير المبهجة وهي تدل على غموضها في النفوس الصادرة عنها. وأن الحقيقة إنما تتنصل من الحكام الممتهنين الّذين يغيرون ويبدلون ألف مرة، بشتى الأعذار، وهو ما يدل على وهن العقيدة في نفوسهم.

ويتوقف كمال جنبلاط عند الإتجار بالقضية العربيّة، فيقول: “حبذا لو انبرى رجل له من الإخلاص، والذكاء الفطري والثقافة العربيّة والغربية نصيب كبير، وتفرغ لدرس القضية العربيّة”. وهو الدرس نفسه الذي أرساه الزعيم، الدرس الجغرافي Géopolitique والتاريخي، بدل التلهي بالسفسطات والتضليلات الجماهيرية، وهو يعرض عروبة سورية الطبيعية بدل عروبة المتسوسين، الرجعية والطائفية المستترة.

أدى الزعيم حقاً في مصرعه الشهادة كاملة، حين تقاعس غيره عن أداء مثلها، فترك بصمته في نفس كل رجل عقيدة. وعلمه التجرد لقضية وكيف تكون الأمانة لها. وبهذه الشجاعة النفسية المعنوية، تكون نهاية الأبطال.

فالقتلة لا يناقشون الشرفاء ولا يواجهونهم بشرف، وهم إنما يدينون أنفسهم بما تقترفه أيديهم ويدينون حجتهم، بعد أن تقضي جريمتهم بشكل سري مريب وبطريقة منكرة، على من يجادلها. وأن يدافع وأن يجيب، ويناهض الحجة بالحجة، ويقارن الوثيقة بالوثيقة.

ويقول كمال جنبلاط وهو ينظر في جريمة قتل الزعيم، وكأنه ينظر في جريمة قتله وقتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الرؤساء والزعماء المغدورين: إن الحقيقة لا يجلوها القتل السري، ولا يجاب عن الفكر إلاّ بالفكر. ولذلك يسقط حق القتلة في الدفاع إذا حرموا خصمهم هذا الحق. وبطل سلفاً الدليل منها والبرهان، بعد أن منعته عن غيرها، وبذلك تتحقق الإدانة للقتلة والمجرمين، عندما تخنق صوته الداوي وتمنعه من بوح أسراره بالعنف الجاهل وبالقتل السري.