الأحزاب وبناء الدولة في لبنان

رامي الريّس |
الاحزاب وبناء الدولة، عنوان يفتح الباب واسعاً لنقاش يطول حول دور الأحزاب السياسية ومسؤولياتها في بناء الدولة وتطوير النظم الديمقراطية والإجتماعية، ويطرح أسئلة عديدة عمّا يمكن أن تقدمه الأحزاب، وبعضها مضى على تأسيسه أكثر من نصف قرن.

إن الغوص في هذا العنوان الكبير يستوجب أولاً من كل الاحزاب نقداً ذاتياً انطلاقاً من المسؤوليات الأخلاقية والوطنية، ليس لعقائدها ولمفاهيم العمل الحزبي والسياسي بالضرورة، بل للإحجام في بعض الأحيان عن تحمل المسؤولية، وإن كانت أسباب بعض هذا الإحجام معروفة ومفهومة وربما مبررة في وقت من الاوقات. إلا أن التغاضي عن إجراء النقد الجريء للتقصير الذي يقارب حد الإخفاق هو اعتراف بالفشل.

لا شك في أن التركيبة الطائفية في لبنان، وموقعه الجيوسياسي في منطقة تتنازعها الحروب والصراعات قد شكلت عائقاً كبيراً أمام الأحزاب الديمقراطية، واليسارية تحديداً، للإستمرار في أداء دورها الفاعل في بناء الدولة، على غرار ما قامت به منذ نشأتها حتى دخول لبنان الحرب الاهلية. لكنّ هذه التركيبة ستتسبب في حال بقائها في تراجع إضافي في مفهوم الدولة وانعدام الثقة بها أكثر، وهو ما نشهده اليوم في كل استحقاق وفي كل شأن.

لقد فرضت الحرب الأهلية وما تفرّع عنها من حروب مذهبية، على الأحزاب السياسية اللبنانية لبوساً عسكرياً، اغرقها في لجّة الصراعات الطائفية التي تحتاج لمزيد من الجهد للخروج من لوثتها، في وقت يُنتظر منها أداء مختلفاً ومقاربة جديدة تحقق هذا الخروج التدريجي، وبالتالي تجديد نخبها السياسية والفكرية، وإفساح المجال لجيل جديد من الدخول في معتركها، يسهم في تطوير العمل السياسي بما يتماشى مع الثورة العلمية والتكنولوجية، إذ تشهد الأحزاب في لبنان انكفاء هذه الفئة عن العمل المباشر نتيجة الهوّة بينهما.



كما أن الازدواجية في العمل السياسي التي نعيشها باتت مصدراً لعدم الثقة بالاحزاب، حيث تُطرح شعارات مكافحة الفساد والاصلاح ولا تسعى إلى تنفيذها. في وقت تزيد المحاصصة السياسية والطائفية والفئوية في تكريس الانقسامات وتغليب المصلحة الخاصة على العامة.

من هنا، لا بد من إعادة فتح النقاش الوطني حول أهمية إلغاء الطائفية السياسية، كمدخل أساسي لإعادة بناء الدولة على أساس العدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص، وهو ما يفرض على الأحزاب، النضال المتواصل من أجل هذا الهدف، وإلا ينتفي سبب وجودها.

فبعد أربعين عاماً على إعلان البرنامج السياسي المرحلي لا يزال صالحاً، وهو ما يؤكد رؤيوية هذا الطرح من جهة، ويكشف عقم نظامنا السياسي الحالي العصي على الإصلاح، حيث تتعثر فيه كل مشاريع التغيير والتطوير، من جهة ثانية.

في الانتظار، الأحزاب مدعوة أن تقتنص الفرص بين الأزمات لاجراء حوار عميق ومسؤول ينتج عنه توافق على إدارة سليمة لمؤسسات الدولة تضمن استمراريتها في الحد الأدنى ومنعها من الإنهيار أكثر.


ان مسيرة بناء الدولة في لبنان هي مسيرة شاقة وطويلة، وللأسف لا يبدو أننا قطعنا الميل الأول من رحلة الألف ميل في هذا المجال، خصوصاً أن حجم الانقسامات يتضاعف. وما امتناع بعض الأطراف عن استخلاص الدروس والعبر من التجارب السابقة إلا ليجعل هذا الانقسام أكثر عمقاً.

إلا أن كل هذا لا يلغي ضرورة الحفاظ على هذا البلد بتعدديته وبتنوعه وديمقراطيته، رغم هشاشتها.

وهنا، المسؤولية هي حتماً مسؤولية جماعية.

(*) كلمة ألقيت في ندوة بدعوة من المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في 27 أيلول 2018