Advertise here

الاستحقاق الرئاسي في "ميزان الأثمان" اليوم أرخص من الغد!

30 كانون الثاني 2024 07:33:35

على هامش النقاش الدائر حول الاستحقاق الرئاسي في أكثر من منتدى إقليمي ودولي وصولاً الى نادي «سفراء الخماسية الدولية»، يتردّد كلام مؤلم يتهم المنظومة السياسية بفقدان الارادة وعدم قدرتها على تطبيق الدستور في مرحلة هي الأخطر داخليا وخارجيا. وعليه، نقل عن أحد الديبلوماسيين المخضرمين قوله انّ على اللبنانيين ان يفهموا أنّ العبور بالاستحقاق اليوم، أو بالاحرى في الامس، أرخص من الغد وهذه هي الكلفة.
لم يكن الديبلوماسي العتيق مُحرجاً ولا حذراً عندما توسّع بما لديه من انطباعات سلبية حول أداء المنظومة السياسية، والتي نشأت في فترة سبقت نهاية ولاية الرئيس السابق العماد ميشال عون، عندما كان النقاش دائرا حول نتائج الانتخابات النيابية وإمكان تشكيل حكومة بكل مواصفاتها الدستورية. وهي التي ترسّخت على وقع مجموعة المواقف التي بُنيت على خلفية المناكفات والمكائد الداخلية التي تباهى البعض باللجوء اليها علناً، خصوصاً عندما سخّرت لها القدرات والصلاحيات، حتى تلك التي نَص عليها الدستور ولا مجال لتفسيرها على غير ما اشتهاه واضعوه. وهي وقائع وضعت رؤساء السلطات الدستورية في مواجهة بعضهم بعضاً، وقد عَزّزتها الفتاوى الدستورية المتناقضة التي وضعها مستشارو البلاط وما اكثرهم على خلفية اللجوء الى منطق «غب الطلب» في ظل فقدان آلية الحسم وتعطيل الهيئات والمؤسسات المكلفة المهمة.
كل ذلك كان يجري على غير ما هو مُعتمد في فترات الاستقرار السابقة، فتجاوزت المواجهات السقوف التقليدية، ولجأ الجميع بلا استثناء الى ممارسات شاذة تناقضت مع ما هو مطلوب من إجراءات وجدت من أجلها السلطات والمؤسسات، فتعطّلت أدوات التعاون والتكامل فيما بينها وحالت دون الالتزام بمبدأ فصلها عن بعضها. ولذلك شلّت الآليات التي تستهدف تسيير شؤون الدولة والمؤسسات وسقطت معها كل المواعيد والمهل الدستورية تباعاً. كما أنتجَت واقعا صعبا مع دخول البلاد قبل 15 شهرا مرحلة خلو سدة الرئاسة، فتعزّز الاقتناع في الداخل والخارج ببدء مسلسل الانهيارات التي تلازمت مع تنامي الازمة المالية والنقدية الخطيرة فانعكست على أداء السلطتين التشريعية والتنفيذية بوجوهها الدستورية والادارية الحتمية مع كل موعد يتصل بأي قضية أو استحقاق من أي نوع كان.
والاخطر، يضيف الديبلوماسي عينه، انّ التعقيدات المتنامية بلغت الذروة في وقت قياسي في ظل فقدان الوسطاء والحكماء القادرين على تصويب البوصلة، بهدف اعادة تكوين السلطات ولم تنجح التحركات التي قادها أصدقاء لبنان وعدد من الوسطاء، فاندلعت مواجهات من نوع آخر بَنت مواقعها على مصادر «قوة الامر الواقع» التي جَرّت الخيبات على اللبنانيين والوسطاء الاجانب. وتطورت الامور الى ان باتت جزءا من أزمات المنطقة فتشابكت المصالح الإقليمية والدولية، ووجدت في الساحة اللبنانية مسرحاً لتبادل الرسائل ولم يكن ينقصها سوى الانفجار الذي تسبّبت به عملية «طوفان الاقصى»، وانخرط جزء من اللبنانيين في حرب «المساندة والإلهاء» الى ان تحول ما يسمّى «الملف اللبناني» مجرد «ورقة» في مهب الازمة الاقليمية، وبات من الصعب التوصّل الى الفصل فيما بينها، وقد عجزت المحاولات الجارية عن تحقيق ذلك الى ان بات في نظر البعض منهم أمرا مستحيلا تحقيقه لألف سبب وسبب.
وعليه، ولمّا تَم الغَوص في تفاصيل ما يجري على الساحتين الداخلية والخارجية، لم يكن صعبا على الديبلوماسي العتيق ان يقدّم دليلاً لا نقاش في جديته حول أي تفصيل. وهو ما سمح بالدخول في الحديث عن العقبات التي حالت دون نجاح أيّ من المبادرات التي قادها أركان «اللقاء الخماسي»، ومعها محاولات الموفدين القطري والفرنسي، إلى أن بلغت المساعي مرحلة دقيقة جدا يمكن ان تهدد بالعودة الى نقطة الصفر ما لم يتم تحقيق أي خَرق مُحتمل في ظل تعدد السيناريوهات المتبادلة للوصول الى «اليوم التالي».
على هذه الخلفيات، انتقل الديبلوماسي الى معاينة ما يمكن ان تقوم به الخماسية مُتحدثاً عن سَيل من العقبات التي لم ولن تحجبها اللغة الديبلوماسية التي يعتمدها بعض اعضائها، ولا على المواقف اللبنانية التي بَنت رهاناتها على مساعيها. ذلك انّ من بين من طُلب اليهم تحديد مواقف نهائية من بعض المقترحات لن يقدم ولن يؤخر موقفه سلباً كان أم إيجاباً في مقابل مَن بيدهم «الحل والربط» وهم غير مستعدين للتجاوب مع اي اقتراح قبل ان تنجلي نتائج المواجهة الكبرى في قطاع غزة وتردداتها الواسعة. ففي مقابل مَن فقدوا أوزانهم في الداخل هناك من يتمتع بفائض من القوة وهو ليس مستعدا لتسييلها في الداخل اللبناني، لا في الاستحقاق الرئاسي المؤجّل الى حين التسوية النهائية ولا في ما دونه من ملفات عالقة إدارية كانت ام مالية وقد دنا بعض الاستحقاقات الخاصة بها.
وان لم يكن مضطرّاً الى فرز اللبنانيين بين فئتي «العجزة» من جهة و»المُتعالين» على الحل من جهة اخرى، استطرد الديبلوماسي، ليتحدث عن مجموعة من الخطوات المُزمع القيام بها على خلفية الرهان على مساعي «الرباعية المخابراتية»، الاميركية ـ الاسرائيلية ـ المصرية ـ القطرية الساعية الى ترتيب وقفٍ طويل الأمد للنار في قطاع غزة قد يمتد الى شهرين من دون ان يكون لديه أي مؤشر محسوم الى إمكان النفاد بالاستحقاق الرئاسي في هذه الفترة «المحدودة». فما هو متوقع، اذا تمّ ذلك، ان ترتفع سقوف المفاوضات الى الذروة ومعها الشروط الداخلية التي تحول دون تلاقي اللبنانيين على مرشح يبدو انه سيكون من لائحة جديدة بعدما سقطت اللوائح السابقة وما حملته من «اسماء علم» لتفتح على أخرى مليئة بالمفاجآت.
وقياساً على ما تقدّم من مؤشرات، يدعو الديبلوماسي اللبنانيين الى ان يفهموا انّ ما ضاع من فرص ذهبية لم يعد ممكنا احياؤه. وانّ الرهان على الحراك الجديد مهما كان مكثفا فإنه لم ولن يحمل أي جديد في المدى المنظور. فالغموض ما زال سيد الموقف، وانّ تَلهّي اللبنانيين بالمهاترات الداخلية لن يغني ولن يُسمن في الوقت الراهن سوى مزيد من عمليات شد العصب الطائفي والشلل على وَقع ما يجري في الجنوب. فما لحق حتى اليوم من تدمير مُمنهج بعشرات القرى الجنوبية ومعه سقوط مزيد من الشهداء، لم ولن يفقهه حتى اللحظة سوى سكانها الذين ما زالوا بالعشرات في قراهم يعيشون ساعات من الرعب، كما المشرّدين بعشرات الآلاف في مراكز الإيواء يلقون الحد الأدنى من العون سواء من «حزب الله» او من بعض المؤسسات الخيرية إلى أن تنجلي الصورة ليتبيّن انّ لبنان كان في «قلب الحرب»، وانّ الحديث عن عدم توسّعها الى ساحته مجرد تَعامٍ دولي عما يجري. فتجنّب الحديث عن الحقائق تحت غطاء «الصمود المزيف»، يساوي تأجيل الحديث عنه لتحميل الحزب المسؤولية لاحقاً عند إحصاء الشهداء وتبيان حجم الدمار. إلّا انّ جميعهم سيدركون عند استحقاق «اليوم التالي» حجم الكلفة المترتبة على فقدان الرئيس، ليثبت لهم انه كان أرخص بكثير لو انتُخِب من قبل، او اليوم قبل الغد، خصوصاً عند تسديد فواتير تغييب لبنان الرسمي ممّا يترتّب عليه أثمان صفقات مقبلة لن يكون له فيها لا حضور ولا رأي في غياب رأس الدولة.