العفو عند المقدرة ولكن!

د. ياسر ملاعب |

من الاقوال المأثورة والمستخدمة كثيراً عند العرب وله معاني عميقة تتجسد في الممارسة الحياتية اليومية "العفو عند المقدرة". ومعناه انك قادر على فعل شيء من موقع القوة والنفوذ ولك القدرة على تخطي الصعاب وأن فائض القوة التي تمتلكها لا تستعملها ولا تهدد بها بل على العكس أنك تهادن وتسامح وتعفو في كثير من الأمور والقضايا التي تكون من حقك وقادر على حسمها لمصلحتك. وهذا طبيعي أن يدركه الطرف الآخر ويعلم بأن التنازل والتواضع لا يعني خوفاً أو ضعفاً بل استيعاباً من الطرف الاقوى وإلا وقع المحظور وهذا ما ينطبق على واقع الحال اليوم!

لقد تم فهم وليد جنبلاط والحزب التقدمي الإشتراكي في الآونة الأخيرة وبعد كل التنازلات والاستيعاب من موقع الشراكة الوطنية وأن الساحة تتسع للجميع في العمل السياسي والإجتماعي والثقافي. 

بعد إنتهاء الحرب سلم وليد جنبلاط السلاح ودخل في ما عرف آنذاك بالسلم الأهلي إلى أن عقد راية المصالحة وفتح الأبواب والقلوب وطوى صفحة الماضي الاليم، لتدخل البلاد في ورشة إعادة البناء بعد إعادة المهجرين وبناء البيوت المهدمة. 

سهر جنبلاط والحزب التقدمي الإشتراكي على عودة الامن والامان إلى الجبل، عمل على تعزيز الاندماج الإجتماعي، فلم يتحدث يوماً عن الماضي ومآسيه، ولم ينبش القبور، بل وجه التحية إلى جميع الشهداء، شهداء كل لبنان دون استثناء، كما عمل على قطع الطريق على الفتن المتنقلة، وشارك الحزب في كل الحكومات بعد الطائف، واشرك الجميع بالمقاعد النيابية والوزارية والبلدية دون منة، شعوراً منه بأهمية المشاركة على مستوى الوطن وداخل الزواريب الضيقة الطائفية والمذهبية. 

والجميع يعلم دور وليد جنبلاط في وأد الفتن وخاصة عندما كان الوطن على شفير الانزلاق في حروب جديدة عند استشهاد الزيادين في بيروت والشهيد لطفي زين الدين وحادثة بحمدون وصولاً إلى استشهاد علاء ابو فرج في الشويفات إلى حوادث الجاهلية واستشهاد محمد أبو ذياب، والدخول في التسوية الرئاسية وبعدها التسوية الحكومية، وعند الكثير من الحوادث المتنقلة من منطقة إلى اخرى. وكان دائماً وليد جنبلاط والحزب التقدمي الإشتراكي يدفعون الاثمان. فالبرغم من كل ذلك ماذا كان رد الآخرين على ايجابياته؟ المزيد من التهميش والحصار وقانون انتخاب لهزيمته وخلق فتن ومشاكل في الجبل، اي في بيت وليد جنبلاط لاخضاعه. 

حلف كبير تشكل ضده من داخل الحدود وخارجها، وهجوم دائم ومستمر، بالسياسة والامن، واستحضار الماضي ونبش القبور والتعبئة الطائفية والمذهبية، وإعادة عرقلة ما تبقى من عودة المهجرين، إلى أن وافق على استكمال المصالحة مع العونيين في دير القمر، وما سمعه هناك من كلام غير موزون وارعن كي لا نقول أكثر من ذلك، ولا أحد يحرك ساكناً من رئاسة الجمهورية إلى الحكومة، بل على العكس من ذلك كان الحصار يزداد وصولاً إلى حادثة البساتين في قضاء عاليه التي ادت للأسف إلى سقوط ضحايا وجرحى، وهذا ليس وليد صدفة، بل كان نتيجة تراكمات، ومن ضمن المخطط المرسوم والمدروس. والهدف الأساسي كان على ما قال أحدهم من أنه قد طُلب منه من القيادة السورية أن يستهدف وليد جنبلاط وإثارة المشاكل في كل القرى الدرزية في الجبل من أجل كسر جنبلاط.

 هذا هو الهدف والاساس لكل ما يحصل اليوم وهذا هو بيت القصيد.

رغم كل ذلك، ظل وليد جنبلاط على النهج نفسه ولم يتغير، إلى أن أصاب هذا الاحتقان عامة القاعدة الحزبية والجماهرية واصابهم نوع من الإحباط نتيجة الخطاب المتشنج من قبل أشخاص من حديثي النعمة السياسية وصغار القوم. فشتان ما بين الثرى والثريا وما ردة الفعل الأحد المشؤوم إلا الدليل على أن القاعدة الحزبية والانصار وصلت إلى مكان لا عودة عنه لذلك نرجو من يعنيهم الأمر أن يتقوا الله وأن ينزعوا من فكرهم أن وليد جنبلاط ضعيف لا يقوى على المواجهة!

إذا رأيت نيوب الليث بارزةً فلا تظنن أن الليث يبتسم ومن هنا نقول العفو عند المقدرة.