مفارقتان غريبتان رافقت حادثة الجبل

الحادثة التي وقعت الأحد الماضي في الجبل وسقط جراءها شخصان وجرح أربعة في بلدة البساتين قضاء عاليه؛ كادت أن تُعيد لبنان الى أجواء التوتر والحروب التي ذاق مرارتها على مدى 15 عاماً قبل العام 1990. وقد وقع الإشكال المسلح بمناسبة زيارة قام بها وزير الخارجية جبران باسيل الى المنطقة، ولكن عملية إطلاق النار لم تحصل مع مواكب الوزير باسيل، بل حصلت مع مرافقي الوزير صالح الغريب الحليف لباسيل، عندما أطلق هؤلاء الرصاص على بعض المحتجين العُزل كما أظهرت صور الحادثة، ومن دون أسباب موجبة.

بطبيعة الحال فإن الإحتجاجات السلمية على زيارة أي مسؤول تُجيزها القوانيين اللبنانية، وهي تحصل في كل دول العالم، وعلى سبيل المثال؛ فقد تظاهر عشرات الآلاف من البريطانيين مطلع الشهر الماضي ضد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقطعوا الطريق على موكبه في كرنفال المقاومة كما أسموه.

يرى متابعون لما جرى في الجبل أن الحادث ينمُّ عن وجود مفارقتين غريبتين ناجمتين عن أسباب غير معروفة:

المفارقة الأولى: كيف لوزير في الحكومة له نفوذ كبير في الدولة، والمرحلة برمتها في لبنان محسوبة على تياره، كونه صهر رئيس الجمهورية؛ أن يقوم بزيارات يعرف مسبقاً أنها ليست محل ترحيب – أو إجماع على أقل تقدير – ويمكن لها أن تُثير فتن متوقعة، كما هو عليه الحال في الزيارة التي لم تكتمل، وكان سيقوم بها الى بعض البلدات الحساسة في الجبل، وقد بدأ نهاره بخطاب أثار فيه ملفات دامية حصلت في تلك المنطقة، كما أشار الى بعض المحطات السوداء التي سقط فيها شهداء وأبرياء في مرحلة الحرب الأهلية المشؤومة، وهو أشاد في خطاباته بإنجازات للعماد عون إبان فترة الحرب الأهلية، وقبل أن يصبح رئيساً للجمهورية.

ويرى المتابعون: أن مثل هذه الأخطاء لا يجوز أن تحصل مع مسؤول كوزير الخارجية، ويجب تجنبها، لأن مصلحة الدولة والشعب برمته يجب أن تتقدم عنده على أي مصلحة حزبية أو ذاتية له أو لحلفائه في الداخل او في الخارج، خصوصاً أن ملف المصالحات في الجبل كان قد أنجز بالكامل ولم تحصل أية إشكالية منذ ما يقارب 30 عاماً، وحرية العمل السياسي والحزبي متاحة أمام الجميع في الجبل كما أثبتت ذلك المرحلة الماضية، لا سيما قبل الإنتخابات النيابية التي جرت العام الماضي وفاز فيها نواب محسوبين على تيار الوزير باسيل.

المفارقة الثانية: بروز واضح لفائض من القوى المسلحة عند الوزير باسيل وحلفائه في الجبل منذ فترة، من خلال تسيير مواكب مسلحة في أكثر من منطقة، لا تبررها الحماية الشخصية لبعض المسؤولين، وهؤلاء يطلقون النار بإستخفاف واضح، ويصيب أحياناً مواطنيين أبرياء، أو يصيب زملائهم كما ذكرت وسائل الإعلام في أكثر من موقع. ولم يجري توقيف أي من المرتكبين ومحاسبتهم وفق القانون، لأنهم يَحضون بغطاء من الجهات النافذة التي تتحكَّم في كل مفاصل الدولة في الجبل وغير الجبل.

كادت حادثة الجبل أن تُشعل حرباً أهلية جديدة، لكن لغة الحكمة مازالت أقوى من التطرَّف. والمراقبين لما يجري يرون: أن هناك فواتير ذات طابع أمني تُسدد لصالح قوى أقليمية ترغب في قلب الموازين السياسية في الجبل وفي لبنان عامة لصالح المحور الذي تنتمي اليه، وهذه رغبة مُكلفة لا يمكن تحقيقها نظراً لخصوصية الواقع اللبناني.