عن رواية المجلس العدلي وصلاحيات الإحالة: تداخل السياسة والقضاء!

الأنباء |

إن بدعة الديمقراطية التوافقية أثبتت فشلها في حكم لبنان، بحيث أصبح الوطن كعربة خيلٍ تجرّها القوى السياسية باتجاهات معاكسة أدّت، وسوف تؤدي، إلى تدمير لبنان.

فبدلاً من أن يكون هنالك أكثرية حاكمة وأقلية معارضة، تتشارك كافة القوى السياسية المتناحرة والمتناقضة في الحكم على مبدأ الولاء للطائفة لا للوطن، فتعلو مصلحة الطائفة على مصلحة الوطن.

وقد تتوافق وتتقاطع مصالح بعض الأفرقاء السياسيين من طوائف مختلفة لتشكل فريقاً سياسياً يجتمع في العلن على بعض العناوين، ويختلف في الخفاء على كثير من العناوين الأخرى.

ووفق هذه الآلية تناولت القوى السياسية حادثة قبر شمون، بحيث سارع  فريق سياسي إلى محاولة توصيف الحادث بما يتناسب مع مصلحته المباشرة، وتلك غير المباشرة، في محاولة تسجيل النقاط على الفريق الآخر.

وانبرى فريقٌ مِن مَن كان السبب في الحادث، وكدفاع استباقي، إلى وضعه في خانة "محاولة اغتيال وزير، والمس بأمن الدولة والسلم الأهلي"، وطالبوا بإحالة القضية إلى المجلس العدلي في سابقةٍ في القضاء اللبناني.

وأصبح كل سياسي، سواء أكان وزير دفاعٍ أو خارجية، أو من افتعل الحدث، هو محققٌ وقاضٍ يسرد الوقائع ويوصّفها، وذلك بالرغم من أنها تبقى مواقف وضغوطات سياسية من فريق، متناسين، أو محاولين التذاكي على السواد الأعظم من البشر الذين أصبح لهم منبراً هو وسائل التواصل الاجتماعي، وهو الذي يسمح لهم نشر الخبر، ومعرفة الحقيقة، وتوثيقها، وتعميمها بشكل يسبق وسائل الأخبار.

فإذا كان مَن في الحكم الآن هو فريق سياسي طرف، فإن ذلك لا يعطي ممثليه الحق في توصيف الحادث، ونقله من خانةٍ إلى خانة أخرى، وذلك بعد أن أحلّوا أنفسهم مكان الأجهزة الأمنية والسلطة القضائية.

إن صاحب الصلاحية في إعطاء الوصف الصحيح هو السلطة القضائية بناءً على تحقيقات جديّة ودقيقة تقوم بها الضابطة العدلية. فإذا تبين أن هنالك حدث يمسّ بأمن الدولة والسلم الأهلي، يتم إحالة الملف إلى المجلس العدلي بقرارٍ من مجلس الوزراء.

يُعتبر كل ما سبق ذلك تجاوزٌ لمبدأ فصل السلطات، وتعدٍ على صلاحيات السلطة القضائية، ويخرج عن كونه موقفاً سياسياً، وتكون النتيجة:

إخفاء فعلٍ قام به فريق سياسي يمسّ بالسلم الأهلي عبر إلقاء المسؤولية على رده فعلٍ قام بها فريق آخر في إطار الدفاع عن النفس.

أما جنوح هذا الفريق، والضغط السياسي لإحالة الملف على المجلس العدلي، فَيَقعان ضمن سياق سياسي سوف يُستتبع بتعيين محققٍ عدلي بناء على توصية وزير العدل الذي هو من ضمن نفس الفريق. ويمتلك المحقق العدلي الصلاحيات الاستثنائية، إن من ناحية التحقيقات، ومسارها، ومدّتها الزمنية، أم من ناحية قرارات التوقيف من غير تقيّدها بفترة زمنية محددة، أم لجهة مروحة الاستدعاءات لأشخاصٍ مهما علا شأنهم، وإمكانية تحويل الشاهد إلى متهم .

 فيصبح المجلس العدلي – والمحقق العدلي تحديداً – وسيلة للاقتصاص من فريقٍ سياسي لصالح فريق سياسي آخر. 


*المحامي حسام راسبيه