لا يُلدغ مؤمنٌ من جحرٍ مرتين

وهبي أبو فاعور |

شكّلت منطقة الغرب – عاليه محطةً تاريخية مجيدة في تاريخ لبنان الحديث، وفي قديمه الغابر. ففي ساحلها، حيث الشويفات عاصمة الأمراء الأرسلانيين، وقبلهم التنوخيين، والبحتريين، واللخميين، وفي جبلها لعبت عبيه دوراً كبيرً في حفظ سجلات الأجداد الموحدين، وحيث تحتضن مقاماً شريفاً يقدّسه الموحدون الدروز. أعني مقام الأمير السيّد عبدالله التنوخي، قدّس الله سرّه ونفّعنا من بركاته. وفي عبيه حيث تتعايش الدروب إلى الخالق كانت الانطلاقة الأولى للانفتاح على الحضارة الوافدة من الغرب بتأسيس الأفكار، والبنى الأولى، للجامعة الأميركية العتيدة.

ينتسب أهالي ما يُعرف اليوم بالشحّار لأصولٍ عربيةٍ كريمة المحتد، واختارها الخليفة المجاهد أبو جعفر المنصور العباسي منذ ما يزيد عن ألف سنة، لتسكن تلك الديار بهدفين: أولهما تعريبها، وثانيهما صد هجمات الفرنجة عن ثغورها الساحلية. فتوالدت تلك القبائل سلالات شريفة في الحكم والحكمة، وكان منها الأعلام الكبار الذين حكموا لبنان، وليس جبلهم فقط، وأبقوه متعدد الأبواب إلى عبادة الرحمن، وتوحيد الخالق الكريم، والتنوّع في مسالك الدنيا وأهوائها، متعاونين ومسجّلين أروع أمجاده في إمارات متقاربة، أو إمارة لبنانية واحدة زمن فخرالدين، وهي التي تعدّى إطارها الجبل ولبنان كله لتشمل أجزاءً من سوريا، وأخرى من فلسطين.

وإيماناً منّا بأن الحرب قد طُويت صفحتها إلى الأبد، وحلّت محلّها المصالحة التي تكرست باتفاق الطائف مرشداً للحكم، ومُرضِياً لكل الفئات التي وقّعت عليه، كان لا بدّ من الاستفادة من أخطاء الماضي، وجعلها دروساً كي لا تتكرر المأساة. فالناس المتآلفون لا تدخل  فناءهم الرياح الهوجاء إلا من المنافذ الضيقة. ولا بد من إيراد عبرة 1983، يوم تذاكى خصوم الحزب التقدّمي الاشتراكي، وسلكوا في الشحّار الأبي مسلك الفتنة، معتمدين على واقعَين هشّين أورثانا الكوارث. وكان أولها: حبك التآمر الخبيث لدوائر غربية أو عدوة مع فريقٍ متهالكٍ على الاستئثار بالحكم رغم كل الشوائب والمحن والحروب، ووضع نفسه في مسالك وعرة تتلخص بأمرين صعبين لا يستسيغهما العقل، ولا المنطق، ولا عدالة السماء. فإما التحكم بالوطن والتفرد بحكمه على قاعدة التمييز بين الناس بمعتقداتهم، وإما التقسيم ومدخله المناطق الصافية...

أما الواقع الثاني فهو استغلال طيبة الناس، واللعب بعواطفهم، وغشّهم. هؤلاء الناس يتوقون للعدالة من الحكم، ويكرهون الدم والقتل والخراب. يومها لبست الذئاب لبوس الحملان الوديعة، ونفّذت حيلتهم بكل أسفٍ، فكانت حصيلة مجازرهم في كفرمتى الجريحة 105 شهداء من المدنيين الأبرار، ومنهم مشايخ تقاة وأعلام قضاء وحكمة، من أمثال المرحوم الشيخ مسعود الغريب ووالده الفاضل، والعشرات من أقربائه ومن ضيوفه، إضافة إلى ثلاثة من الشهداء المقاتلين على التلال.

أما في عبيه فكانت حصيلة الجرائم 26 بريئاً إضافةً إلى تسعة شهداء بينهم التقي المرحوم الشيخ أبو عفيف محمد حسين فرج، وكذا في البنّيه يوم ذبحوا صوت العلم والثقافة والأدب المرحوم الأستاذ سلمان جابر، إضافةً إلى 46 مدنياً وستة شهداء قتال.

ولكن العيب الأكبر كان فيما تركوه من دمار في مقام الأمير السيد عبدالله التنوخي، وكان عليهم الخزي والعار.

هذه المجازر وما صاحبها ارتكبتها القوى المعادية بواسطة الجيش اللبناني الفئوي يومها، وهو الذي نفّذ وأعوانه جرائم الحقد والكراهية بحق الشرفاء من الأبرياء الوطنيين.

واليوم تكاد تتكرر نفس القصة ينسجها خيال مريض لوزيرٍ مدعوم تطيب له حداثة النعمة في السياسة ببثّ أكاذيب الغطرسة والغرور يجول البلاد، ويبث الفتن، ويعتمد لطفولته السياسية

على متكئ ٍصلبٍ ناسياً حكمة الشاعر العربي:
ومن يجعل الضرغام للصيد بازه         تصيّده الضرغام فيما تصيدا
فإلى أحفاد المرحومين الشيخين مسعود الغريب، ومحمد حسين فرج، والمرحومين الأستاذ سلمان جابر، والقائد الشهيد بهجت الحكيم، ورفاقه الشهداء من كرم جابر، والعشرات سواه، أقول: لا تدعوا الفرقة تلعب بينكم، والرياح الهوجاء تدخل منازلكم. فليكن العقل إمامكم فالمطلوب منكم كثير لا يكاد يُختصر إلا بصفاء عروبة أجدادكم، وصدق مواطنيتكم وإيمانكم بالعيش الكريم في وطنٍ تحرسون فيه عظام أجدادٍ سلفوا وسطّروا أروع آيات المجد على ساحل جبل لبنان.

(*) المرجع: نارٌ فوق روابي الجبل – المقدّم شريف فياض/ الدار التقدّمية 2015.