Advertise here

الموت… حيّا وحيدًا في الحياة

11 كانون الثاني 2024 14:02:11

ان إختلاق الآسية والسلوان والعيش ما بعد الحياة  وإبداع البقاء السرمدي هي الفكرة الاقدم حضورا في عمق العقل البشري والاكثر ركونًا، راودت الحي الذي يموت، بذهول ومواربة على امل افتراضي انه عائد الى حياة اخرى ، منذ الولادة الاولى او الخلق الاول، او كأنه لا يموت  ليموت بل ليبعث مرة اخرى على مآلات متعددة المراتب صنفتها الاديان السماوية وثقافاتها تصانيف شديدة الالتباس، متنوعة التأويل، واعادت ترتيبها الاديان الاخرى ومعتقداتها كأحد عنصري جوهر الوجود 

يحار الانسان في فهم وجوده وغيابه و يتلمس ايمانه  ومعتقده في القبول والاذعان  من باب القدرة المتواضعة على استيعاب الاشياء الحائرة والسعة المترامية ابعد من مداركه في  التيقن او الركون. ويتيه في فهم  غيبياته لولا الاستعانة بالحضورين الاعتقادي والديني بالغيّ التنوع  وكثيري التفاصيل.

علة الموت، هي الحياة،  أساس وجوده.  مَن سابق من؟ من  الآتي ومن الراحل؟ الحقيقة لا احد يحسم  ما الحقيقة؟، ولكن قد يكون الأسف الاكبر، والخيبة الكبرى ان الحياة وضعت في مدار الموت او تبرر  حدوثه ، مَن الأولَى على من؟ ومن نهاية المطاف؟ لا احد يجزم ما يزعم ؟، هي اسئلة وجودية طرحها الانسان  الذي لم يرعبه  امر اكثر من الموت. هو الخوف المستطير والحزن  الموعود هو القلق الاكبر ،هو الارتجاف الذي ينتاب كل كائن حي. كم من ديانات قامت على  عقيدة ما بعد الموت. هل هي الحياة أم الخلود؟ وما الذي يفرق بينهما و ما الذي يفصل؟. الحساب الموعود على افعال قدرية او اعمال ادراكية مخيرة، لماذا نعتقد ان 
اللذة في القعر. واللذة  في النهاية هي رعشة او ضحكة او تنهيدة. هي نهاية على أمل بداية جديدة ما هذه البداية  ما تلك النهاية؟. الاجوبة المستحيلة للتساؤلات السرمدية.
.المرء مخبوء بغموضه. والمرء يحوم حول ما لا يرى وهو  يصنع عوالمه. كلٌ له عالمه و كل له رؤياه، إما بالسليقة او بالفطرة المشوهة او المشوشة بثقل التقاليد والمعتقدات. صحيح ان الموت متشابه، فيه ومعه اعلى درجات المساواة وربما درجات العدالة، الا ان الحياة تختلف بين شخص واخر  بين كائن واخر، ولا شيء يشبه شيئا اخر، حتى انها بصمة وجوده الخاصة به وحده من دون سواه، هي حمضه النووي او المنوي لا فرق، المرء اسير معتقدات ولد على فطرتها الا الذي  يحاول ان يتمرد على بقعة صغيرة في هذا العالم اللامحدود  ويعود كالاخرين خائبا من الإجابات الإدراكية حيث يصاب بخيبة العجز عن فهم  اسرار الوجود، لاشك ان الإنسان هذا المخلوق الفريد السامي على المخلوقات  كافة كما ينتاب تفكيره المتعالي، او كما صوّر حاله او اعتقد انه التام بين المخلوقات في هذه الدنيا، بسيط أمام الموت، مجهول، غريب، وحيد، مأسور او اسير. من قال إن التوالد والتناسل ليسا شكلين من اشكال التخلي؟ فعندما يخلع الحي جسده ويرحل  عن روحه. أليس هذا، نوعا من أنواع الخيانة المشهودة في فطرة الإنسان. وطبيعة الإنسان تلك. والإنسان عرف الأشياء بكليتها الا انه لم يفقه حاله ككائن ميت على قيد الحياة، ولم ينجه الحذر من القدر.

ما يلفتني في اللغة العربية او باللغة الاجنبية ان الشخص يُصَور كأنه فاعل موته. او هو من قام بفعل الموت. وهو  برئ من هذا الفعل الذي يلحق به، وهو مفعول به، لا بل مفعول مطلق به.

واللغة الصقت به  تهمة الموت  وهذا نوع من التكاذب الجدلي قد يكون هذا من باب القدر  الذي  يرتضيه او ينسب اليه ، ان الموت حق. او من باب تقبل وقْعِ هذا الحدث الذي يتعاقب  كما تتعاقب الارض على مسار الشمس. هذا القدر المكتوب واي قدر اكثر وضوحا وتبيانا  من هذين الحدثين. الحدثان التليدان  اللذان  هما بداية وجود الانسان ونهايته قبل الميعاد وبعد الخلود. مَن قبل؟ ومن بعد؟ مَن من اجل من وجد؟ الاثنان وجدا من اجل كائن حي او كائن ميت؟

يبقيان ويرحل وقد لا يعود، ما سر هذا الوجود الذي ينتابه القلق. القلق من شظف الحياة  وتعقيداتها، والقلق من سكرة الموت، والقلق من الاتي والقلق من النهاية. الا ان المحزن هو الم الفراق الذي لا الم بعده. والا لما خضعت الاديان كل الاديان الى فكرة اللقاء مجددا لتخفف  من الم الفراق وتواسي خوف الانسان وقلقه... فلربما نلتقي  او ان  حبيبا يلتقي حبيبه في بقعة ما من هذا الوجود  او من هذا الكون ، انه الحب ذروة اللقاء  ومنتهاه سبحان الله. من هو هادم اللذات؟

في هذه الحياة كلُ شي يموت الا الموت  يبقى حيا.

*المدير العام لوزارة الاعلام