في الجنوب... مرحلة جديدة من الحرب النفسيّة

08 كانون الثاني 2024 07:36:46

نافَسَ دويُّ الغاراتِ الوهميّةِ التي نفّذها الجيشُ الإسرائيلي أمس فوق غالبية مناطق جنوب لبنان، الأصداءَ الخافتةَ لنتائج الحراك الدبلوماسي الذي أديرت محركاتُه بأقصى قوة سعياً إلى خفْض التوتر بين «حزب الله» وإسرائيل وشَبْك الجبهةِ المشتعلة منذ 8 تشرين الأول بالمسارات السياسية الشائكة التي يُعمل على شقّها تحت عنوان «اليوم التالي للحرب في غزة».

وغداة «الردّ الأوّلي» من «حزب الله» على اغتيال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» صالح العاروري في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت عبر إمطار قاعدة ميرون للمراقبة الجوية بأكثر من 60 صاروخاً وهو ما أعلن رئيس المجلس التنفيذي في الحزب هاشم صفي الدين أمس انه «استهداف لسلاح الجو الذي استهدف الضاحية، وهذه رسالة مباشرة»، انتقلتْ تل أبيب التي كانت وسّعت أول من أمس رقعة الاشتباك الى عمق نحو 27 كيلومتراً في قضاءي صيدا وصور، إلى مرحلةٍ جديدةٍ من «الحرب النفسية» عبر الغارات الوهمية التي تسبّبتْ بأضرار مادية في بعض المنازل في عدد من بلدات الجنوب، بالتوازي مع مضيّ مسؤوليها في «تصريحات تذكيرية» بأن الوقت ينْفَذ أمام فرصة «الحلّ الديبلوماسي» للجبهة الشمالية.

وتقاطعتْ 3 مواقف في الداخل الإسرائيلي في الساعات الماضية عند قرع «جرس الإنذار» حيال التطورات على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية واحتمالات انزلاقها إلى ما هو أدهى من مواجهات مضبوطة على قاعدة التماثل بين الفعل وردّ الفعل، في الوقت الذي كانت تقارير أميركية تكشف عن خشية في واشنطن من أن يضغط بنيامين نتنياهو على زرّ التفجير الكبير مع «حزب الله» لاعتباراتٍ تتصل بـ «إنقاذ مسيرته السياسية».

وأمكن في هذا الإطار رصد الآتي:

- دعوة نتنياهو «حزب الله» الى «الاعتبار» مما «تعلّمتْه حماس في الأشهر الماضية»، مؤكداً «مصممون على الدفاع عن مواطنينا وإعادة سكان الشمال إلى بيوتهم آمنين، ونحن نتصرف بمسؤولية من أجل ذلك، وإذا استطعنا فسنفعل ذلك بطرق سياسية وإلا سنتصرف بطرق أخرى».

- تأكيد الوزير الإسرائيلي في مجلس الحرب بيني غانتس أن «لا بد من حل عاجل لعدم قدرة مواطني شمال إسرائيل على العودة إلى منازلهم»، معلناً «إسرائيل مهتمة بالحل الدبلوماسي، وإذا لم يوجد فإن الجيش الإسرائيلي سيعمل على إزالة التهديد، وجميع أعضاء مجلس الوزراء الحربي يشاركون هذا الرأي. والاعتبار الوحيد هنا هو أمن إسرائيل، ولا شيء غير ذلك».

- ما كَشَفَه موقع «واللا» الإسرائيلي عن دعوة كبار ضباط الجيش «لتحويل القتال ضدّ حزب الله من الدفاع إلى الهجوم»، مشيراً إلى أن هؤلاء «بعثوا برسالة إلى هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية»، قالوا فيها: «حان الوقت لتحويل الأولويات من الجنوب إلى الشمال. وتغيير أهداف القتال ضد حزب الله من نظام دفاع محدود أو (دفاع قاتل) إلى هجوم محدود».

وجاء رَفْعُ وتيرة المواقف الإسرائيلية عشية وصول وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن إلى تل أبيب حيث أعلن المتحدث باسمه مات ميلر أنه سيبحث في خطوات محددة«لتجنب التصعيد، وأن ليس من مصلحة أحد لا إسرائيل ولا المنطقة ولا العالم أن ينتشر هذا الصراع إلى ما هو أبعد من غزة».

وفيما عَكَسَ كلام ميلر القلق الأميركي من أن تندفع إسرائيل إلى توسيع الحرب، فإن هذه الخشية كانت ارتسمت من خلال تقرير استخباري أميركي صادر عن «وكالة الاستخبارات الدفاعية» DIA نُشرت خلاصته وعبّر عن قلقٍ في واشنطن من أحاديث عن احتمال توسيع تل أبيب للحرب إلى لبنان، مشيراً إلى أن تحقيق إسرائيل الانتصار في هذه الحرب سيكون «صعباً وسط القتال المستمر في غزة».

ونقلت «واشنطن بوست» أن مسؤولين أميركيين يشعرون بالقلق من «أن نتنياهو يرى أن القتال الموسع في لبنان هو مفتاح بقائه السياسي»، وانه منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول ناقش المسؤولون الإسرائيليون شن هجوم وقائي على حزب الله وهو الاحتمال «الذي واجه معارضة أميركية مستمرّة بسبب احتمال جر إيران إلى الصراع - وهو احتمال قد يجبر الولايات المتحدة على الرد عسكرياً نيابة عن إسرائيل».

وكشفت الصحيفة أنه وفقاً للاستخبارات الأميركية فقد ضرب الجيش الإسرائيلي مواقع للجيش اللبناني أكثر من 34 مرة منذ 7 تشرين الأول وأن «مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض أكد أن واشنطن أبلغت إسرائيل أن الهجمات على الجيش اللبناني والمدنيين اللبنانيين (غير مقبولة على الإطلاق)»، ناقلة عن مسؤول أميركي«ان على المجتمع الدولي أن يبذل كل ما في وسعه لدعم الجيش اللبناني، لأنه سيكون عنصراً حيوياً في أي سيناريو لـ (اليوم التالي) في لبنان».

في موازاة ذلك، كان الميدان جنوباً يشهد عمليات من «حزب الله» بينها استهداف ‌‌‌‏دبابة عصر أمس في موقع رويسة العاصي «بصواريخ كورنيت ما أدى إلى إصابتها وإحراقها وتدميرها ووقوع طاقمها بين قتيلٍ وجريح»، و«تجمعات ‏لجنود العدو في محيط ‏موقع ميتات ‏بالأسلحة المناسبة وحققنا فيها إصابات مباشرة» و«ثكنة زرعيت ‏بصواريخ بركان»، وذلك بعدما كان أعلن أنه «استهدف ‌‌‌نقطة تموضع لجنود العدو في المالكية بالأسلحة المناسبة وقد وقعوا بين قتيلٍ وجريح»، الى جانب عملية في محيط موقع المطلة، وقد أعلنت القناة 12 الإسرائيلية إصابة مبنى بشكل مباشر في المستوطنة «بصاروخ أُطلق من لبنان».

في المقابل، مضت إسرائيل في توحُّشها غارات وقصفاً مدفعياً تركّز على الخيام ولم يوفّر جزءاً من الحائط الخارجي لمسجد الإمام زين العابدين في البلدة، كما طاول أطراف بلدات بليدا، يارون وعيترون والجبين وتلة حمامص وحانين، وذلك بعد 4 غارات على منطقة اللبونة - الناقورة، ووادي حسن الواقعة بين طيرحرفا ومجدل زون.

رد على اغتيال العاروري

وفي حين كان الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل «يشهد» على التوتر العالي جنوباً هو الذي اختتم زيارته لبيروت أمس بلقاء قائد الجيش العماد جوزاف عون بعد محادثات مع كبار المسؤولين ووفد من «حزب الله» ركزّت على «ضرورة منْع تصعيد الوضع في الجنوب»، مع حمْله رسالة قلق أوروبي في شأن التطورات في لبنان، كان بارزاً ما أعلنه رئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله» حول استهداف قاعدة ميرون رداً على اغتيال العاروري.

وقال صفي الدين: «أراد العدو أن يحقق هدفاً بالنسبة إليه كما قال قادته بقتل قيادي في حركة حماس، ولكنه أراد أيضاً أن يوجّه رسالة قوية في قلب الضاحية الجنوبية، للمقاومة وشعبها وأهلها وسلاحها، وكان من الطبيعي والواجب والمحتّم أن نرد على هذه المحاولة، وإلا سيأخذ العدو رسالة ونتيجة أن حزب الله مردوع أو ضعيف أو لا يتحمّل المواجهة، وبالتالي سيزداد في عتوّه وعدوانه».
وأشار إلى أن «ما حصل هو رد أولي وليس كل الرد على استهداف الضاحية، وهذا يعني أن هناك ردوداً إضافية، وعلى العدو أن ينتظرها، أما استهداف جبل ميرون فله دلالة أنه هو أعلى مرتفع في فلسطين المحتلة، وقد اعتبره الإسرائيلي أنه محيّد أو أنه غير مكتشف أو غير معروف».
وأضاف: «هذا الموقع هو لهداية الطائرات، وفيه رادرات، ودعم لسلاح الجو الإسرائيلي الذي قصف الضاحية، وعليه، فإن استهداف قاعدة ميرون هو استهداف لسلاح الجو الذي استهدف الضاحية، وهذه رسالة مباشرة». وتابع:«إذا اعتقدتم أن هناك قواعد محيَّدة ولا يمكن أن نستهدفها، فنحن نقول لكم ليس هناك قواعد محيّدة أو مستورة أمام صواريخ وقدرات المقاومة، وبالتالي، فإن كل المواقع في الكيان الصهيوني هي تحت مرمى صواريخنا، وهي أهداف يمكن أن تصل إليها المقاومة».