يحاصرون جنبلاط لكسب المعركة... لكن مفاجأة بانتظارهم!

ربيع سرجون |

كل في لبنان يفكّر على مقاسه. وينظر إلى غيره وفق قدر نفسه أو اهتماماته. هنا يضيع جزءٌ من الهوية السياسية التي تطبع الحياة العامة في البلاد. إذ في الوقت الذي يغلّب فيه جنبلاط المصلحة العليا، بانياً توجهاته على سياسات دولية كبرى، وتحولات تعصف في المنطقة، فيتعاطى معها على قدرٍ من المسؤولية، بحيث يلين أمام الريح العاتية تجنباً لكسر، هناك من يتعاطى بطريقة أن ليس لديه ما يخسره، ولا يضير نفسه في التضحية بكل شيء في سبيل مصلحته، فيغلب طابع المصلحية الشعبوية على أدائه.

يقع الخطأ القاتل، عندما يظّن الشاعر بالمسؤولية بأن الخصوم يتعاطون على نفس الدرجة منها، أو حتى في لحظات خصامهم، تكون الخصومة بشرف، تماماً كما غرّد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، في ذكرى الثامن من تموز، وموقف المعلم كمال جنبلاط من إعدام زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة، مذكراً بمواقف الرجال الرجال التي لم تكن الخصومة السياسية تحول دون الشعور بالمسؤولية، والتعالي عن الحسابات الصغيرة. في المقابل، هناك شخصيات سياسية تطمح لتكريس نفسها "نماذج" يحتذى بها، ولو لجأت إلى اللعب على شد أوتار العصبية والمذهبية، أو الاستنباش في غياهب الزمن عن ما ينبش القبور لعلّه يستعطف الشعور.

في هذا الخلل بالموازنة بين القوى السياسية، تضيع بلاد، وتهدر مصالح عباد، وربما هذا أقسى ما يعانيه لبنان حالياً، وعاناه على مرّ التاريخ. وأسوأ ما في الأمر أن المتعاقبين لم يتعلّموا من دروس التاريخ، وأثمانه الغالية التي دُفعت، فينتظرون مصيبة للاستثمار فيها، أي كما هو حاصل اليوم في حادثة قبرشمون، والتي يريد البعض لها أن تكون محطة جديدة لإحياء منطق المحاكمات السياسية. فيلجأ هذا البعض إلى استفزاز الناس، وهدر دمائهم في السياسة، وإلقاء الأثقال عليهم، وعندما ينفجرون يريد أن يحاكمهم، ويستثمر بالدم المهدور. ولا يمكن تفسير الإصرار على إحالة الملف إلى المجلس العدلي دون غيره، إلّا أنه باب جديدة من الأبواب التي يراد فتحها لتطويق المختارة، وتطويع البلد. خاصة وأن هؤلاء الذين يتعاونون مع بعض أزلامهم الطامحين لشذرات من الأدوار السياسية، ويضحون بهم عند مفترقات الطرق، ويرتكزون عليهم لشق صفوف أبناء البيئة الواحدة وتشتيتها، وبعدها يذهبون إلى غربلة مكاسبهم، يعتبرون أن خنق أي معارضة في مهدها لا يمكن أن تتحقق بدون ضرب وليد جنبلاط وتطويقه.

القرار أبعد من هؤلاء الطارئين على اللعبة السياسية. ومن يتخذ القرار، يعلم أن استباحته للبلاد لا تتحقق بدون محاصرة جنبلاط، ومحاولة إلغاء دوره ومفاعليه. ويعلم هؤلاء أن وليد جنبلاط لا يمثّل نفسه، ولا طائفة الموحدين الدروز فقط. هم يعرفون ما للرجل من تأثير لبناني عربي، ويعلمون أيضاً مدى علاقاته الواسعة إقليمياً ودولياً، ولذلك يصرّون على ضربه، ظناً منهم بأنهم يخوضون حروبهم العالمية، ويسجلون الانتصارات. لكن المفاجأة ستكون في مكان آخر، وأصبحت قابلة للظهور في أي لحظة على الصعيد الشعبي، وهو الذي سيثبت مجدداً أن وليد جنبلاط أكبر من أن يحاصَر، وأوسع من أن يحشر في خانة طائفة أو منطقة.