هل ينجح الاتفاق السوداني في نقل الحكم من العسكر الى النظام الديمقراطي؟

فوزي أبو ذياب |

عمت الاحتفالات الشعبية ارجاء السودان، وخرجت الحشود المبتهجة إلى شوارع هاتفة "حكم مدني"، وغابت القوى الأمنية من الشوارع، منذ إعلان وسيطي الحل الافريقي والاثيوبي، توصل المجلس العسكري الحاكم في السودان مع قادة تحالف الحرية والتغيير، الى اتفاق حول إدارة المرحلة الانتقالية المقبلة.

وحسب ما أعلن وسيط الاتحاد الأفريقي محمد الحسن لبات، الذي تولى الى جانب المبعوث الاثيوبي محمود درير إدارة مفاوضات حساسة وجدية بين طرفي النزاع، أن الجانبين اتفقا على إقامة مجلس سيادي يتناوب على رئاسته العسكريين والمدنيين مدته ثلاث سنوات، إضافي الى حكومة كفاءات تتولى إدارة الشأن العام في البلاد.

بدوره الوسيط الإثيوبي محمود درير أوضح إن بلاده ومنظمة الاتحاد الافريقي والمجتمع الدولي التي تساند الاتفاق ستضمن تنفيذ هذا الاتفاق الذي انتظره الشعب السوداني منذ عقود، مؤكداً أن الاتفاق "سيدخل السودان في مرحلة جديدة يعمها التفاؤل"، وإن "الشعب السوداني كله يدعم هذه المرحلة".

وأشار إلى أن مجلس الوزراء "سيضم كفاءات وطنية مستقلة ولا مانع أن يستوعب شخصيات حزبية". وأن "هناك كفاءات كثيرة في الدولة تستطيع أن تقوم بدورها في إخراج البلاد من هذه المرحلة الصعبة".

وكانت اثيوبيا الدولة الشقيقة للسودان قد عرضت وساطة للحل مع الاتحاد الأفريقي، استأنفت على أساسها  المفاوضات بين الجانبين لرسم الخطوط العريضة للمرحلة الانتقالية ، ووفقا لتلك للخطة فإن "المجلس السيادي" سيرأسه في البداية أحد العسكريين لمدة 18 شهرا على أن يحل مكانه لاحقا أحد المدنيين حتى نهاية المرحلة الانتقالية.

كما اتفق الطرفين على إجراء "تحقيق دقيق شفاف وطني مستقل لمختلف الأحداث والوقائع العنيفة المؤسفة التي عاشتها البلاد في الأسابيع الأخيرة".

كما وافقت الأطراف المتنازعة، على إرجاء إقامة المجلس التشريعي والبت النهائي في تفصيلات تشكيله، حالما يتم قيام المجلس السيادي والحكومة المدنية".

بدور نائب رئيس المجلس العسكري السوداني الفريق محمد حمدان دقلو طمأن "القوى السياسية والحركات المسلحة وكل من شاركوا في التغيير، بأن هذا الاتفاق سيكون شاملا لا يقصي أحدا ويستوعب كل طموحات الشعب السوداني بثورته".

الناطق باسم تحالف "قوى إعلان الحرية والتغيير" أحمد الربيع  أعلن تأييد تحالفهم الاتفاق والتزامهم تنفيذه وكشف أن الاتفاق النهائي "سيتم صوغه من قبل لجنة من الخبراء، يمكن توقيعه الأسبوع المقبل في حفل سيدعى إليه رؤساء دول"، وأوضح "إن المجلس السيادي سيكون مؤلفاً من ستة مدنيين بينهم خمسة من التحالف وخمسة عسكريين". 

تجمع المهنيين السودانيين المشارك في تحالف الحرية والتغيير أعلن في بيان له اثر الاتفاق "اليوم تنتصر ثورتنا وتلوح معالم الفوز الظافر". وأشار البيان الى أن قوى التغيير "لن نرضى بغير إنجاز الثورة كاملة غير منقوصة ولن نتراجع عن المطالب".

بدورها وسائل التواصل الاجتماعي كانت منبرا للتعليقات ورصد المواقف، حيث شكك كثيرون بالاتفاق، وعبر البعض عن خيبة أملهم، بينما حاول آخرون أن يكونوا واقعيين. فكتب أحدهم "سياسيا وواقعيا ونظرا لأن الجيش والدعم السريع يمتلكون كل الوقت وكل السلاح و90 في المئة من دعم دول الجوار، لا أعتقد بنجاح حل آخر للتقدم بالنسبة للمدنيين"، معتبرا أن الاتفاق "غير منصف للثورة".

من جهته أشاد بيان للأمم المتحدة  بالاتفاق ونقل عن غوتيريش أنه "يشجع الجميع على ضمان تنفيذ شامل وشفاف للاتفاق وحل أي قضايا معلقة من خلال الحوار".

الاتحاد الأوروبي وصف الاتفاق بانه "اختراق، وقالت المتحدثة باسم وزيرة الخارجية فريديريكا موغيريني "أنه من المهم أن ينفذ الأطراف الاتفاق الذي تم التوصل إليه بنوايا حسنة، وأن يواصلوا المحادثات".

كذلك، رحب وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان بالاتفاق وقال في بيان "اشجع الأطراف على تنفيذه في اسرع وقت ومواصلة المفاوضات حول القضايا التي لا تزال عالقة".

كما رحبت السعودية بالاتفاق ونقلت الوكالة الرسمية عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية قوله أن المملكة "تتطلع لأن تشكل هذه الخطوة المهمة بداية لمرحلة جديدة يسودها الأمن والاستقرار، بما يلبي تطلعات الأشقاء في السودان".ورحّبت الإمارات بالاتفاق في السودان، داعية إلى "تأسيس نظام دستوري راسخ". وكتب وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش في تغريده "نبارك للسودان الشقيق الاتفاق الذي يؤسس لانتقال سياسي مبشر".وأعربت منظمة العفو الدولية عن آملها بأن ينهي الاتفاق "الجرائم المروعة" التي ترتكب ضد الشعب السوداني منذ عقود.

وكانت التظاهرات الشعبية اندلعت في السودان في كانون الثاني الفائت، رفضا لزيادة سعر الخبز ثلاثة أضعاف في بلد فقير يعاني أزمة اقتصادية خانقة. سرعان ما اتخذت الاحتجاجات طابعا سياسيا عبر المطالبة بإسقاط النظام وعلى رأسه الرئيس عمر البشير الذي حكم البلاد بقبضة من حديد لنحو ثلاثة عقود.

ومنذ الثالث من حزيران، أدت حملة القمع التي نفذتها القوى الأمنية بتوجيه من المجلس العسكري الحاكم في البلاد، إلى مقتل 136 شخصا بينهم أكثر من مئة خلال عملية تفريق الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم، بحسب لجنة الأطباء المركزية المقربة من حركة الاحتجاج. في المقابل، تتحدث السلطات عن حصيلة بلغت 71 قتيلا منذ هذا التاريخ.

وقبل أيام من اعلان الاتفاق دعت قادة الاحتجاجات إلى تظاهرة كبيرة في 13 تموز تليها حملة عصيان مدني، بعد أن أدى حراك مماثل نظم من 9 إلى 11 حزيران، إلى شلل في العاصمة، هل ينجح الاتفاق في تنظيم مرحلة انتقالية لنظام الحكم العسكري في السودان الى نظام مدني هذا هو السؤال الذي يشغل هم السودانيين، الذي من حقهم بناء دولة ديمقراطية تسودها العدالة الاجتماعية وتحترم فيها حقوق الانسان، تسخر فيها مقدرات البلاد الاقتصادية ومواردها الغنية لقضايا التنمية، ومواجهة الفقر.