مصالحة الجبل كنز نتمسك به

لم يكن وليد جنبلاط قديساً، ولا أعلن سمير جعجع نفسه طوباويّاً، ولم يرشح نبيه بري زيتاً، ولا غيرهم في زمن الحرب التي لوثت الجميع، لكنها في لحظة ما فرضت على الجميع فرضا بعد سلسلة من تراكمات الاخطاء التي سبقتها، والسياسات التي اعتمدت منذ ما بعد الاستقلال وخصوصاً بعد قيام اسرائيل وتهجير الفلسطينيين الى لبنان. تلك الحرب التي اطلق عليها غسان تويني "حروب الآخرين على أرض لبنان" لم توفر أحداً من التقاتل والقتل. قد يكون ريمون اده الوحيد الذي نجا منها، لكنه اختار المنفى، ولو بقي في لبنان لوجد نفسه وسط نيرانها. الجميع قاتلوا، كل من أجل قضية ما. حتى الجيش صارت له قضايا، وتقاسمت الاحزاب والميليشيات والطوائف ألويته. وعندما أعلن قائد الجيش في حينه العماد ميشال عون حربي التحرير والالغاء، كان خارجاً على الشرعية من وجهة نظر كثيرين نعتوه بأبشع النعوت قبل ان يعود ويتحالف معهم لاحقاً بعد عودته من منفاه الباريسي.

لكن صفحة الحرب طويت، وان لم تعالج كل أسبابها، ولم تعالج نتائجها، وبقيت لكل الاطراف صفحات سوداء، حتى الذين منهم يتباهون بأنهم كانوا الشرعية، اذ لهم محطات تخاذل، ولهم اتفاقات ملتبسة.

ومهما يكن من أمر، فإن ارادة العيش معاً تقضي بتجاوز الماضي الاليم وفتح صفحات جديدة، وعقد تفاهمات ومصالحات، وهذه وتلك ينبغي التزامها كلّها، فلا تلتزم واحدة وتنتهي أخرى، أو تفتح صفحات البعض دون الآخرين، وفق مصالح آنية، أو مستقبلية رئاسية، تعيد نبش القبور.

بعد التوترات التي صاحبت مواقف سبقت وتخللت زيارة الوزير جبران باسيل لعاليه، والتي ادت الى كم من النفور، واستعادة مشاهد وعبارات مقززة، والتي جعلت "مصالحة الجبل" كأنها محطة عابرة على رغم كل الاثمان التي دفعها الاحرار متحلقين حول البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير في مواجهة سلطة الوصاية، جاءت مواقف محطات الشمال في نهاية الاسبوع، لتعيد بث الأحقاد وتضع اتفاق معراب على المحك أيضاً. وقد جاء الجواب أمس عبر خلف صفير، البطريرك مار بشارة بطرس الراعي إذ قال: "نود التأكيد أن مصالحة الجبل هي الكنز الذي نتمسك به وهي فوق كل اعتبار، ذلك أن سلامة الوطن هي من سلامة الجبل ونعمل وندعو الى العمل معاً في سبيل توطيد أركان المصالحة سياسياً وواقعياً وخلق فرص عمل للجميع لكي يعود العيش معاً الى سابق عهده وثانياً اعتماد خطاب سياسي يجمع ولا يفرق، يسير الى الامام ولا يعود الى الوراء، يبني ولا يهدم، يتعاون ولا يقصي، يأتي بمشاريع اقتصادية وإنمائية ولا يردد كلمات وشعارات من دون مضمون سوى التأجيج. سئم الشعب مناكفات السياسيين على حسابه وعلى حساب تعطيل عمل المؤسسات وعلى حساب قيام دولة العدالة والقانون والرقي. ونقول كفى هذا الهدم المتواصل للدولة ومؤسساتها وهذا القهر للشعب المحب والمسالم وإقحامه على هدم ما تبقى عنده من ثقة بالمسؤولين السياسيين".

فهل وصلت الرسالة الى من يجب ان يسمع؟ أم ان الضجيج الذاتي سدّ كل الآذان وجعلها صماء؟