الملف الأميركي – الإيراني أمام حلقة جديدة من الصراع: فأي إتجاهات سيسلك؟

فوزي أبو ذياب |

شكل احتجاز ناقلة النفط الإيرانية العملاقة (غريس1) المتوجهة الى سوريا، في منطقة مضيق جبل طارق بأوامر بريطانية أميركية، لانتهاكها العقوبات الأميركية من جهة والأوروبية المفروضة على نظام بشار الأسد، نقطة تحول جديدة في وجهة الصراع الإقليمي في المنطقة، حيث قال محسن رضائي، أمين مجلس تشخيص مصلحة النظام، أن طهران لن تتوانى في الرد على من يعتدي عليها، وكتب رضائي على حسابه في تويتر: "إذا لم تفرج بريطانيا عن الناقلة الإيرانية، فمن واجب السلطات الإيرانية أن تحتجز ناقلة بريطانية".

وفيما يتزامن احتجاز ناقلة النفط الإيرانية، مع فشل المفاوضات الإيرانية الأوروبية حول ترتيب آلية التمويل الأوروبية والالتفاف على العقوبات الأميركية، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني تخلي بلاده عن بنود جديدة من الاتفاق النووي خلال جلسة مجلس الوزراء، مكررا التعبير عن امتعاضه من مواقف الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا، محملا هذه الدول مسؤولية المأزق الحالي الذي وصل اليه الاتفاق النووي، وقال روحاني خلال الجلسة "في 7 تموز، درجة التخصيب لن تبقى 3,67%. سنضع هذا الالتزام جانبا، وسنرفع الدرجة الى أعلى من 3,67% بأي نسبة نشاء، وبقدر ما يلزم وبحسب ما تتطلب احتياجاتنا". وحذر من انه اعتبارا من 7 تموز يمكن أن تستأنف ايران مشروعها الأساسي لمفاعل أراك الذي يعمل بالمياه الثقيلة والذي أوقف بموجب الاتفاق الذي وقعته طهران في حزيران 2015 مع مجموعة الدول الخمس الكبرى + المانيا (5+1) والذي اعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده منه، في أيار 2018.

بدوره، أعلن المتحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الوكالة الأممية ستعقد اجتماعا طارئا في العاشر من تموز، بناء على طلب من الولايات المتحدة لعرض انتهاكات إيرانللاتفاق النووي.

هذه التحولات الجديدة في مسار النزاع الأميركي الإيراني الذي بلغ ذروته لحظة إسقاط الطائرة الأميركية بنيران الحرس الثوري، في المياه الإقليمية قرب مضيق هرمز، قد لا يبقى خيار الإدارة الأميركية الحالي، الرد على التصعيد الإيراني بمزيد من العقوبات، وعدم الانجرار الى الحرب مع طهران، وفق ما اعلن الرئيس دونالد ترامب، التزامه معادلة (صفر نفط – صفر دولار).

فالجهد الأميركي الذي اتسم بمرونة اكبر من السابق، مع مختلف الأطراف الحليفة لواشنطن، سواء الأوروبية أو العربية، اعتمده ترامب مع الخصوم أيضاً، روسيا أم الصين وتركيا، والذي تقول مصادر غربية أن الغاية من تلك السياسة الأميركية إنشاء تكتل دولي لتطوير وتوسيع العقوبات على ايران، وتبين ذلك واضحا خلال قمة "مجموعة العشرين في اوساكا – اليابان"، حيث بدت الأمور تتجه نحو "تشكيل تكتل دولي، من أجل تفعيل العقوبات على ايران، وحماية الملاحة البحرية".

ورأت المصادر، إن إنشاء تكتلين لتلك الغايات اقتصادي وأمني، استدعى إشراك السعودية والامارات ومصر كجزء من منظومة العمل الأمني لحماية الملاحة البحرية، ما يعني ان الخيار العسكري الأميركي الانفرادي ليس مطروحاً، وهذا يبرر تصرفات ومواقف الرئيس ترامب في اوساكا، حيث اقترب ترامب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما تقرب من القادة الأوروبيين، وخفف من حدة الخلافات مع الصينيين، كما أجرى مصالحة جزئية مع الرئيس التركي رجب طيب أروغان، كما كان على تواصل ودي مع زعماء العالم بعكس طبيعته العدائية التي برزت في اجتماعات سابقة.

وتعتقد المصادر ان حيثيتان اساسيتان، فرضتا نفسيهما على الليونة الأميركية، الحيثية الأولى، "العقوبات الاقتصادية وفعاليتها، الجهوزية الإسرائيلية التي تقوم مقام الذراع العسكرية الأميركية المقاتلة بشكل يومي، والتي توجه ضربات متتالية للوجود الإيراني في سوريا، إضافة الى توفر أذرع عسكرية أخرى جاهزة للتحرك إذا أراد البيت الأبيض رفع مستوى الضغط على ايران، وذلك من خلال السماح للتحالف العربي حسم معركة الحديدة في اليمن، ورفع الفيتو الأميركي البريطاني عن تلك المعركة، والذي يمنع حسمها من قبل قوات التحالف العربي وحلفائهم.

الحيثية الثانية التي تفرض نفسها على مواقف الرئيس ترامب، دخوله السباق الانتخابي على الولاية الثانية، والتي تتطلب مواجهة شرسة مع الديمقراطيين، لذلك فإن اعتماد سياسة العقوبات وسياسة الضرب بالواسطة، هي أكثر نجاعة لترامب كي يقول للأميركيين "أنا أحقق النتائج دون خسائر بشرية أو مالية، وأنني لم أشارك في الحرب ولن أعلن الحرب، وأنني أعتمد السياسة الناعمة الهادئة لتعظيم السياسة الأميركية وتحقيق الأرباح". هذا الموضوع يخدم بشكل واضح طريقة عمل السياسة الأميركية العميقة القائمة على تسوية الخلافات التي تظهر بين البيت الأبيض، البنتاغون أو الـ (CIA).

انطلاقا من الحدث نفسه وحين يعلن البيت الأبيض أن الطائرة الأميركية لم تخترق الأجواء الإيرانية، وجرى اسقطها في المجال الجوي الإقليمي، ويمتنع عن الرد العسكري، فإنه اعطى القيادة الإيرانية قدرة التموضع في ساحة الصراع العسكري، على اعتبارها قيادة جادة في استعداداتها العسكرية ولا تهاب الصدام، كما أن جهوزيتها للحرب والاشتباك، جهوزية عالية، وأن قدرتها على المناورة وعلى التحرش العسكري لها صدقية عالية، لكن المشكلة التي أوقعت القيادة الإيرانية نفسها فيها لها وجهين، الأول والذي تمثل بعدم الرد العسكري الأميركي، واحتواء الضربات والاستفزازات والاعتداءات على ناقلات النفط البحرية، وخطوط النفط السعودية وغيرها من الأحداث التي وقعت بعد 2 أيار 2019 موعد تصفير صادرات النفط الإيراني، وضعت إيران أمام موقف دولي جديد.

وبالتالي بات عليها التنبه من مخاطر الاستمرار في تلك الممارسات والمغامرات، فإذا أقدمت على إسقاط طائرة جديدة أو اعترضت أي ناقلة بحرية، أو ارتكبت أي عمل عسكري، لن تتمكن الدول الأوروبية من تجاهل تلك الاعتداءات، لا بل فإنها تعطي الإدارة الأميركية المبرر الكامل لتوجيه ضربة عسكرية كاسحة لإيران تتجاوز الأهداف التي سبق ان اعلن عنها، وهذه الضربة قد تكون بموافقة من مجلس الأمن، لذلك تعتقد المصادر أن إيران قد استنفذت عناصر استعراض القوة، وبات أمام تحد الحرب والاشتباك العسكري.

إن عدم نجاح ايران في استدراج القوى الدولية الى الصدام في ملعبها، انتقالها الى ممارسة مناورة الضغط على القوى الدولية الموقعة على الاتفاق النووي لا سيما الدول الأوروبية، وإعلانها التحلل تدريجيا من الالتزام بشروط الاتفاق سواء في ما يخص التخصيب او الإنتاج، فإنها وضعت نفسها على خط التصعيد الأكثر خطورة عليها والأسرع سلبية على نظامها، من التصعيد العسكري،. فتجاوز الاتفاق النووي بقدر ما هو ضاغط على الأوروبيين، فإنهيسلح الإدارة الأميركية بمصداقية جديدة، ويدفع الدول المدافعة عن ايران الى التخلي عنها والتمركز خلف البيت الأبيض.

لقد ادرك الإيراني فعلا انه يخاطر خاصة وان تجاوز سقف التخصيب، ليست قضية أساسية من الناحية الفنية ولا يمكن ان يحقق من خلالها النتائج المرجوة خلال أشهر قليلة، فالانتقال من تخصيب بنسبة 30% الى الحدود الخطرة 80% فما فوق، يتطلب مدة زمنية لا تقل عن سنة، لذلك فإن إيران في هذا السياق تناور في مساحة واسعة لا يمكنها ضبط ردود الأفعال عليها، سيما وأنه لدى الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي القدرة على الرد في السياسة دون قلق من ارتفاع نسبة التخصيب.

من خلال ما تقدم يبدو بأن القيادة الإيرانية قد استنفذت قدرتها على المناورة، ولم تعد ممسكة بإحكام بخيوط اللعبة فالتحلل من الالتزام ببنود الاتفاق النووي سيعيد الملف الى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبالتالي الى مجلس الأمن دون التأثير على الأوروبيين وإلزامهم تنفيذ تعهداتهم، وإن التهديد بأي عمل عسكري سيضع ايران امام تكتل دولي داعم للبيت الأبيض.

لذلك فإن المنطقة باتت امام مرحلة جديدة من حلقات الصراع الأميركي – الإيراني، بحيث قد نشهد في مرحلة قريبة تحولات وتأثيرات سيكون لها تداعيات على المشهد العام، وهذه التحولات قد تظهر في غضون الأشهر القليلة القادمة، حيث بدأت تبرز مفاعيل العقوبات الاقتصادية على الداخل الإيراني، والتي لا يمكن لطهران احتمالها في المدى المنظور الذي تقدره المصادر بثلاثة إلى أربعة اشهر وفق الرواية الأميركية.