الفؤوس تنهش رئة لبنان.. نداء لإنقاذ ثروتنا الحرجيّة قبل فوات الأوان!

21 كانون الأول 2023 07:50:29

في قلب تاريخ لبنان العريق ومناظره الأخّاذة، تتربع ظاهرة مقلقة وحزينة، وهي القطع الشرس لأشجار قديمة صامدة، كانت كشاهد صامت على قرون من التغيير. ومع غرس الفؤوس في جذوعها العتيقة، بات لبنان يخسر ثروته الحرجية الطبيعية وأهم الأشجار المعمّرة التي لطالما تميّز بها لبنان.

على مر السنين، شهد لبنان تقلصا عميقا في الغطاء الحرجي، وهو تراجع يتردد صداه إلى ما هو أبعد من حفيف أوراق الشجر والأشجار الشاهقة. إن خسارة الغابات هذه، أكثر من مجرد استنزاف المساحات الخضراء، تضرب جوهر التوازن البيئي في لبنان، والتراث الثقافي، والتوازن الدقيق بين التوسع الحضري والحفاظ على خيرات الطبيعة. 

تفاقمت ظاهرة قطع الأشجار المعمّرة مع اشتداد الأزمة الاقتصادية في لبنان الذي يعتبر موطنًا لأحراج اللزاب والصنوبر والسنديان والملول والأرز والزعرور وغيرها من الأشجار.

وفقًا لموقع "مراقبة الغابات العالمية"،  فقد لبنان في عام 2021 ما يُقدّر بـ 6,730,000 متر مربع من غاباته. ويُعد هذا الرقم الضخم جزءًا من اتجاه مُقلق بدأ في عام 2019، تزامنًا مع ارتفاع أسعار مواد التدفئة والأنشطة غير القانونية لقطع الأشجار. شهد لبنان تقلصًا مُحزنًا في مساحة الغابات بواقع 15,086,000 متر مربع، وهي موطن لأشجار نادرة بطيئة النمو، تستغرق عقودًا للتجدد.

ففي عام 1995، كانت الغابات تُغطي 35% من مساحة لبنان، لكن هذه المساحة تقلّصت بشكل مطرد، لتصل إلى 13% فقط بحلول عام 2021. وقد تسارع معدل فقدان الغابات منذ عام 2019، حيث شهد انخفاضًا حادًا قدره 2.5 مليون متر مربع في عام 2018. وتفاقمت هذه الخسارة بشكل كبير بنسبة 50% في عام 2019، لتصل إلى 3.65 مليون متر مربع. بحلول عام 2021، ارتفع معدل الخسارة إلى 200% مقارنة بمعدل العقدين السابقين.

قطع الأشجار يفاقم من أزمة تدهور المناخ

إن عملية قطع الأشجار التي غالبا ما يتم الاستهانة بأهميتها، تشكّل محركاً محورياً في تفاقم أزمة تدهور المناخ. بحسب الخبير البيئي البروفيسور ضومط كامل، فالأشجار، هي  كحراس للطبيعة، لا غنى عنها في الحفاظ على التوازن البيئي، تؤدي إزالتها إلى تعطيل هذا التوازن الدقيق، ينتج منه مجموعة من التأثيرات الضارة، أهمها:

أولاً، تؤدي إزالة الغابات إلى تقليل قدرة الأرض على امتصاص الكربون بشكل كبير، فتعمل الأشجار كمستودعات طبيعية للكربون، حيث تمتص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي أثناء عملية التمثيل الضوئي. إن تقليص أعدادها يعطل هذه العملية الحاسمة، مما يؤدي إلى زيادة انبعاثات الكربون والمساهمة في ارتفاع مستويات الغازات الدفيئة، وبالتالي تكثيف ظاهرة الاحتباس الحراري وعدم استقرار المناخ.

ثانياً، تؤدي الأشجار دورًا محوريًا في الحفاظ على التنوع البيولوجي. فالغابات هي موائل غنية تدعم مجموعة واسعة من النباتات والحيوانات، وتعزز النظم البيئية المعقدة. ويؤدي تدميرها إلى فقدان الموائل وتجزئتها، مما يهدد عددا لا يحصى من الأنواع بالانقراض ويضعف قدرة النظم البيئية على التكيف مع الظروف البيئية المتغيرة. 

ثالثاً، تؤدي إزالة الغابات إلى تغيير المناخات المحلية وتعطيل دورات المياه الطبيعية. تنظم الأشجار درجات الحرارة، وتحافظ على الرطوبة، وتؤثر في أنماط هطل الأمطار. كما تؤدي إزالتها إلى تعطيل هذه العمليات، مما يؤدي إلى تآكل التربة، وانخفاض الإنتاجية الزراعية، وزيادة التعرض للكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والانهيارات الأرضية.

رابعاً، يؤثر فقدان الأشجار أيضًا في جودة الهواء، فتعمل الأشجار كمرشحات طبيعية، حيث تحبس الملوثات والجسيمات. ويؤدي غيابها إلى انخفاض جودة الهواء، مما يؤدي إلى تفاقم مشاكل الجهاز التنفسي ويشكل مخاطر صحية على السكان.

في نهاية المطاف، يمتدّ أثر قطع الأشجار في تأجيج أزمة تغيّر المناخ على مستوياتٍ متعددة وبعيدة المدى. لذا، فإنّ إدراك الترابط بين إزالة الغابات وتدهور البيئة أمرٌ جوهري في تعزيز الممارسات المستدامة التي تحافظ على غاباتنا وتخفف من التحديات المتصاعدة التي يفرضها تغيّر المناخ.

هذا وناشد الخبير البيئي الجهات المعنية لاتخاذ الخطوات اللازمة وضبط الغابات من منع أعمال قطع الشجر وتدمير الثروة الحرجية.

فرص التعافي المناخي لا تزال قائمة؟

أشارت بعض  الدراسات البيئية التي تم نشرها في الآونة الأخيرة، إلى أن فرص التعافي المناخي لا تزال قائمة من تبعات الاحتباس الحراري، ولفت الخبراء إلى أن النظام البيئي لكوكب الأرض مضبوط على آلية التعافي لكن حجج بشكل بطيء مقارنة بوتيرة الانبعاثات الصناعية الملوثة.

فأكدت دراسات حديثة أن نظام البيئي للكوكب مضبوط على آلية التوازن، لكن ببطء شديد، وحتى يكون قادرا على التعافي من التراكمات التي أحدثتها البشرية، يتطلب الأمر بالأساس وفق الخبراء الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ووقف اجتثاث الغابات وتلويث المحيطات، والتحول في المقابل نحو الطاقات نظيفة.

ولكن بحسب البروفيسور "كامل"، هذا الأمر صعب جداً، والتعافي ليس بالمسألة السهلة أبداً. فالبلدان لن تتوقف عن استهلاك البترول واستهلاك الطاقة الكهربائية، كما أنّ الدول لن توقف عمل السيارات، لا بل سيرتفع أكثر الاعتماد على السيارات، بما أن كل عام يتم طرح مئة مليون سيارة جديدة.