القُدس ملك للإنسانية ولكن "حائط المبكى" وقف تابع للمسجد الأقصى

16 كانون الأول 2023 10:29:09 - آخر تحديث: 16 كانون الأول 2023 10:32:32

قَدر مدينة القُدس أن تكون مهداً للديانات السماوية الإبراهيمية، وهي تقع وسط العالم من الناحية الجغرافية، ولم يسبق أن تحمَّلت أي مدينة كما حصل مع القدس، خصوصاً لناحية الحروب التي دارت حولها، او بسببها، وهي مهد السيد المسيح، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وتعممت منها اليهودية، برغم أنّ التوراة نزل على النبي موسى بعيداً عنها قليلاً، وتحديداً في جبل الطور في سيناء، وقد قيل عنها قديماً إنّها "عاصمة العالم" وبالفعل هي ملك للإنسانية جمعاء، وفيها أهم المعالم التي تخصّ المسيحيين والمسلمين، وعلى درجة أقل اليهود.

لكن هذه الوقائع لا تنفي كون القُدس كانت كنعانية - عربية بالدرجة الأولى منذ ما قبل ولادة السيد المسيح وأثناء المعراج بُعيد نزول القرآن على الرسول الكريم، والعبرانية لم تكُن لغة خاصة بأتباع الديانة اليهودية كما يعتبر أرباب الحركة الصهيونية، بل استُخدمت على نطاقٍ واسع عند شعوب مختلفة، بما في ذلك المسيحيين. واليهود ليسوا عبرانيين حصراً، بل هم منتشرون كما باقي أتباع الديانات السماوية عند كل القوميات، والعبرانيون ليسوا هم ذاتهم اليهود، بل هناك يهود كُثر غير عبرانيين ولو كانوا يتحدثون اللغة العبرية. والتلازم بين العبرانية واليهودية كانت فكرة رومانية، وتسمية "العبرانيين" كما تقول مراجع عدة؛ أُطلقت على شعوب عبرت النهر، او الأنهار.

 

تعرَّض التوراة كما بعض الكتب السماوية الأخرى للتحريف، كما جاء في القرآن الكريم الذي أوصى باحترامه، وابتدع بعض غلاة التعصُّب تحريفات تناسب أهواءهم السياسية او الشعبية، وأطلقوا على التوراة اسم "العهد القديم"، وقالوا إنّ كتاب "الزبور" يمثل "مزامير داوود"، وأطلقوا على الإنجيل المقدّس تسمية "العهد الجديد". والمصادر الإبراهيمية التي لا تلغي التنوّع والفروق بين الكُتب السماوية الثلاثة؛ لا تذكر التباينات التي تمَّ إدخالها في متن بعض الألواح، بما في ذلك الإشارة الى أنّ "بلاد صهيون" او "إسرائيل" هي وطن لشعب الله المختار، وبتفسيرهم أنّ ذلك ينطبق على اتباع الديانة اليهودية، من دون أن تذكر النسخة الأساسية من التوراة ذلك على الإطلاق.

 

صحيحٌ أنّ إسرائيل ليست حركة استعمارية بالمفهوم المتعارف عليه للاستعمار، لكن ذلك لا يعني أنّها دولة طبيعية. ولا نقول ذلك من خلفية عاطفية أو انطلاقاً من ميول سياسية، بل استناداً إلى وقائع تذكرها المصادر التاريخية المختلفة، ومنها المراجع التي تخصّ الحركة الصهيونية بالذات.

فالكاتب اليهودي وولتِر لين ومعه الأستاذ الجامعي المعروف أوري ديفز، ذكرا في كتابهما "الصندوق القومي اليهودي" الصادر عام 1990 (صفحة 23)؛ أنّ الأفكار التي تناولت موضوع ضرورة تأسيس دولة تجمع اليهود وضعت خيارات عدة، ومنها أن تكون الدولة الموعودة في شمال أميركا أو في جزيرة القرم شمال البحر الأسود او في الهند، ومن ثمَّ حصل التوافق على أن تكون في فلسطين، كخيار أقل كلفة، وتُرجم لاحقاً بوعد بلفور البريطاني.

 

وبالفعل فقد تأسست في برلين اللجنة المركزية لإستعمار فلسطين عام 1864 (ودائماً وفقاً لما جاء في الكتاب الذي ترجمته مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت) وجاء في الصفحة 24 من الكتاب: إنّ أدمون روتشيلد تبرَّع لصندوق شراء الأراضي لصالح اليهود بما يزيد عن خمسة ملايين جنيه إسترليني، وهو مبلغ هائل في ذلك الوقت، بينما كان عدد اليهود في فلسطين في حينها لا يتجاوز 13 الفاً، أي ما يعادل 4% من عدد السكان، وانّ الباقين موزعون بين المسلمين (ومنهم الدروز) 300 الف أي 88%، والمسيحيين 27 الفاً، أي ما يعادل 8% (راجع أطروحة الدكتور خالد صافي الصادرة في جامعة برلين 2010، بعنوان الحكم المصري في فلسطين 1831- 1840 صفحة 14).

 

ذكر بعض الكتَّاب، أنّ القُدس ملك للإنسانية استناداً الى كونها تحتضن المسجد الأقصى ومعالم إسلامية كثيرة، ولأنّها تحفظ قبر السيد المسيح بالقرب منها وفيها كنيسة القيامة، ولأنّ فيها "حائط المبكى" الذي يعتبر قبلة اليهود، وهو ذاته حائط البراق قرب المسجد الأقصى الإسلامي. وفي هذا التوصيف الأخير مغالطة كبيرة، وفيه إغفال لحقائق تاريخية دامغة، ومنها تجاهل للقرار الذي صدر عن المحكمة الدولية التي تألفت عام 1930 على إثر الخلاف الذي حصل بين المسلمين واليهود على ملكية الحائط، في ظلّ حكم الإستعمار البريطاني المتعاطف مع أبناء الطائفة اليهودية، وقرّرت المحكمة أنّ المكان بكامله وقف إسلامي خالص، بموجب ما أثبتته التحقيقات ووثائق الملكية.

 

ومن هنا يمكن رفض هذه الزاوية بالذات من الإجتهادات الفكرية عند بعض الكتّاب، التي قد تكون منطلقاتها تصالحية او إنسانية، ولكن ذكرها اليوم يخدم المشروع الصهيوني، ويُعطي مبرّرات للعدوان التهجيري الوحشي الذي تشنّه "إسرائيل" على الشعب الفلسطيني في غزة وفي الضفة الغربية.

والقانون الدولي الحديث؛ اعترف بكون القُدس مدينة فلسطينية محتلة في العام 1967، وطالب بالإنسحاب منها بموجب قرار مجلس الأمن رقم 242.

 

لقد مرَّت على فلسطين، وعلى القُدس بالذات، أحداث وحروب لا تُعدّ ولا تُحصى، وهي بقيت تحت سيطرة الرومان لأكثر من 900 عام، ومن ثمَّ تحرّرت على يد قوات صلاح الدين الأيوبي عام 1187، باعتبارها مدينة عربية، والعثمانيون الذين سيطروا على المدينة لأكثر من 400 عام؛ تركوا أوقافها بإدارة عربية خالصة، ولكنهم ساهموا في الوقت ذاته بتقديم بعض أجزاء المدينة - خصوصاً الأوقاف المسيحية - كجوائز ترضية للدول الكبرى التي كانت في وقت من الأوقات تشارك في حروب "صليبية مقدّسة" بهدف العودة اليها، ومن هذه الدول روسيا وفرنسا وبريطانيا.

ما يحصل في فلسطين اليوم على يد العدوان الإسرائيلي ليس له أي مبرّر قانوني على الإطلاق، وقد أكّد ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي صوّتت معه 153 دولة وعارضته 10 دول فقط وامتنعت 30 دولة عن التصويت في 12 كانون الأول (ديسمبر) الجاري. وعملية "حماس" التي ربما حصل فيها بعض التجاوزات في 7 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تستند إلى حق يحفظه القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة للشعوب التي تقع تحت الإحتلال، كما هو الحال مع الشعب الفلسطيني الذي طُرِد من أرضه، وهو يعيش في سجن كبير مُحاط بالأسوار في غزة، ومحاط بالمستوطنين الغرباء في الضفة الغربية.

 

من المؤكّد أنّ السلام هو السبيل الوحيد الذي يؤمّن الاستقرار ويجنِّب المسلمين والمسيحيين واليهود المآسي والدماء، ولكن السلام لا يمكن أن يدوم، او يستمر، أذا لم يستند إلى الحق، والعدل أساس الملك، كما أنّ العدل أساس للإستقرار، وأعطاء الفلسطينيين حقهم في إنشاء دولتهم الوطنية على أرضهم؛ هو الكفيل بتحقيق الحل العادل، ومن دون ذلك لا يمكن توافر سبُل للإستقرار، مهما استفحلت المظالم، ومهما بلغت التضحيات.

 

من حق اليهود كما غيرهم من أتباع الديانات الأخرى الدفاع عن أنفسهم والعيش بسلام، ولكن المساواة بين المعتدي والمُعتدى عليه، خطيئة لا تُقرّها الرسالات السماوية على إطلاقها، وهناك فرق كبير بين اليهودية والصهيونية، فالحركة الصهيونية هي التي تريد تهجير باقي الشعب الفلسطيني من أرضه والإستيلاء عليها بالكامل. وإذا ما استمرَّت بعض الدول الكبرى المتحضِّرة في مساندة الفكرة الصهيونية على نطاقٍ واسع؛ سنكون أمام معادلة ثقافية جديدة قد تؤدي إلى المطالبة بإعادة النظر في الوقائع العالمية الراهنة، وفي التقسيمات القانونية الدولية، كأن يعود العرب للمطالبة بغرناطة، او أن يطالب الهنود الحمر بطرد الأميركيين الآخرين من البلاد، ومثلهم قد يفعل سكان جنوب إفريقيا الأصليين على سبيل المثال.