"كوب 28": التخلص من النفط كلمة حق "مناخي" يراد بها باطل "اقتصادي"

12 كانون الأول 2023 13:58:27 - آخر تحديث: 12 كانون الأول 2023 14:09:14

الانطلاقة القوية لمؤتمر الأطراف «كوب28»، بتأسيس صندوق الخسائر والأضرار وإطلاق الإمارات صندوق «التيرا» بقيمة 30 مليار دولار، يبدو أنها فقدت زخمها عند الاصطدام بالوقود الأحفوري. ولتنكشف الحقيقة بأن دعوات الدول، خاصة الكبرى منها، للتخلص من الوقود الأحفوري، هي مجرد مواقف شعبوية. وأن كل الخلافات على صياغة البيان الختامي هي مجرد مناورات كلامية للتخلص من إحراج التراجع عن تلك الدعوات.

مع التقدير لجهود الخبراء والوزراء والرؤساء للاتفاق على صيغة نهائية لبند الوقود الأحفوري في البيان الختامي، فإن مراجعة الخيارات الخمسة لمسودة الاتفاق العتيد، توضح صحة توصيف “المناورات الكلامية”. فالاقتراح الخامس ينص على عدم إدراج مسألة الوقود الأحفوري نهائياً في البيان. في حين تركز الاقتراحات الأربعة على فكرة “التخلص التدريجي”. ولا داعي لاستعراضها لأن الفروقات بينها تقتصر على إضافة جملة من هنا وحذف كلمة من هناك. والهدف ببساطة هو تدارك الإحراج من التناقض بين الأقوال والأفعال.

أين الحقيقة؟

لأننا لسنا مطلعين على حقيقة مواقف الدول، ، فإننا نستعير الإجابة من تصريح لوزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، الذي اشتهر بصراحته الجارحة، يقول فيه أن السعودية وبعض الدول أعلنت صراحة عدم موافقتها على تطرق محادثات المناخ لتخفيض استخدام النفط. وأضاف «أؤكد لكم أنه لا أحد، وأتحدث هنا عن الحكومات، يؤمن فلاً بتقليص استخدامه». ورغم وضوح المقصود بفعل «الإيمان»، فإنه يعني أن ما تقوله وتطالب به بعض الدول على المنابر هو مجرد أقوال، أما الأفعال وما تؤمن به حقاً فشيئ آخر. فأميركا مثلاً حققت هذا العام أرقاماً قياسية بإنتاج النفط والغاز. وتمكنت من انتزاع صدارة الدول المصدرة للغاز المسال من قطر. وألمانيا عادت إلى الفحم الحجري، وتقوم بإنشاء عدة محطات لتغويز الغاز الطبيعي المسال. والنرويج عادت إلى تنشيط عمليات الاستكشاف والتنقيب. وشركات النفط الكبرى عادت إلى الاستثمار المكثف في النفط والغاز، وقائمة الأفعال تطول لتشمل كافة الدول تقريباً.

وكان آخر الشواهد على التناقض بين الأقوال والأفعال. هو أن الدول الكبرى لا تكتفي بعدم الموافقة على التخلص التدريجي من النفط كما قال وزير الطاقة السعودي، بل أعلنت رفضها لمبادرة تقدمت بها هولندا على هامش مؤتمر المناخ تستهدف إلغاء الدعم المقدم للوقود الأحفوري. والذي يقدر أن يبلغ هذا العام حوالي 1.3 تريليون دولار، كما قالت كريستالينا غورغييفا مديرة صندوق النقد الدولي.

… وأين الحل؟

… ولأننا لسنا خبراء للبحث في الحلول، لذلك نستعير الجواب من تصريح بالغ الأهمية لوزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي على هامش قمة «كوب28»، يقول فيه: «ماذا لو كان لدينا في المستقبل تكنولوجيا تزيل جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الوقود الأحفوري وتجعله نظيفاً مثل أي نوع آخر من الطاقة النظيفة؟ . وأضاف: «لأن التقنيات تتطور، فلا يجب أن نتحدث عن التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري ونحاربه قبل أن يكون لدينا البديل».

ويؤكد كلام الوزير المزروعي صحة التساؤلات المثارة بشأن التركيز غير المفهوم وغير المبرر على تخفيض الانبعاثات من خلال حل وحيد هو تقليص استخدام النفط والغاز. وهذا التركيز يخفي حقائق معروفة وحلول مثبتة علمياً وتحتاج إلى قرارات واستثمارات لتطوير التكنولوجيا اللازمة، ومنها على سبيل:

  1. التقاط الكربون: فقد تم تطوير العديد من التقنيات لاحتجاز الكربون قبل انبعاثه أو لالتقاطه بعد الانبعاث. وهناك عشرات المشروعات القائمة فعلا في العالم. ولكن الأمر يتطلب ضخ استثمارات كبيرة نسبياً لتطوير التكنولوجيا وتخفيض التكلفة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، استخدام الغاز الطبيعي لإنتاج الهيدروجين الأزرق والأمونيا الزرقاء، باعتماد تقنية احتجاز الكربون. ولكن لم يتم التوسع في هذه الصناعة. وتم بدلاً من ذلك إطلاق عشرات المشاريع لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء رغم ارتفاع تكاليفها وضخامة الاستثمارات اللازمة. ورغم أضرارها المخفية على المناخ والبيئة.
  2. تنظيف الوقود الأحفوري: هناك العديد من التقنيات التي يتم تطويرها لتنظيف هذا الوقود من بينها على سبيل المثال ضخ الكربون الذي يتم احتجازه أو التقاطه في آبار النفط والغاز بدلاً من ضخ الماء، ما يحقق غرضين الأول هو زيادة الكميات القابلة للاستخراج من النفط. والثاني وهو الأهم، يتعلق بإستخدام تقنيات ومواد قيد الدراسة والتطوير لخلق ما يعرف بالنفط الأخضر.

لا انتقال للطاقة، تاريخياً

تبقى الإشارة إلى أن تلك الحملة الشعواء الداعية إلى التخلص من الوقود الأحفوري والانتقال إلى الطاقة المتجددة، لا تخفي المعطيات الثابتة والحلول الممكنة، بل تخفي أيضاً حقائق بديهية وأهمها أن البشرية لم تشهد على مر التاريخ الانتقال transition من مصدر إلى آخر للطاقة، بل كان هناك دائما إضافة مصدر جديد addition.

فقد بدأ استخدام الفحم في مطلع القرن الثامن عشر كـ «بديل» للخشب. ولكن بعد مرور قرن كامل، كان الخشب لا يزال يمثل نحو 50 في المئة من مصادر الطاقة. وينطبق ذلك على النفط الذي تم اكتشافه في أميركا عام 1859. وقد استغرق قرناً كاملاً أيضاً لكي يحتل المرتبة الأولى بعد الفحم. وطبعاً لا يزال الفحم مكوناً رئيسياً في مزيج الطاقة، بل أكثر من ذلك، فقد تضاعف استهلاكه بمعدل ثلاث مرات.

فكيف يستقيم الحديث عن الانتقال إلى الطاقة المتجددة وهي لا تزال في بدايات تطورها. ورغم إنفاق تريليونات الدولارات فلا تزال حصتها بحدود 10 في المئة، ترتفع إلى 14 في المئة بإضافة الطاقة النووية.

أمن الطاقة وأمن المناخ

رئيس «أرامكو» السعودية أمين الناصر وصف ـ بعد حرب أوكرانيا ـ السياسات المتسرعة للتحول عن الطاقة الأحفورية إلى المتجددة، بأنها «مجرد قصور من الرمال جرفتها أمواج الواقع». وهذا الواقع تمثل بعودة أوروبا لاستخدام الفحم والطاقة النووية. واندفاعها لاستجداء الغاز من أميركا وقطر. وتقديم تنازلات سياسية واقتصادية واجتماعية. إضافة إلى التراجع عن التزاماتها بالتغير المناخي. واضطرت لإنفاق حوالي 800 مليار يورو لحماية الشركات والأسر من ارتفاع كلفة الطاقة.

ويبقى خير تلخيص لوصف ملابسات التغير المناخي والوقود الأحفوري ما ذكرته دورية فورين أفيرز بأن «الخطر الأكبر على أمن المناخ مصدره إهمال أمن الطاقة».

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".