الشعبويات القاتلة..

05 تموز 2019 10:10:00 - آخر تحديث: 04 أيلول 2020 15:23:46

لم يكتف رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل بتعطيل جلسة الحكومة الثلاثاء، هو طمأن جميع المهتمين بعد ترؤسه لـ "مجلس وزاري" مصغر في الخارجية، بمواصلته "زيارة كل المناطق".. ليس النقاش طبعاً في حقه بالزيارات وتقديره لجدواها من عدمه، لكن ما جرى في البلاد منذ نهاية الأسبوع الماضي يستحق تسجيل ملاحظات كثيرة.

يعيش لبنان منذ أمد غير قصير سيلاً من الأزمات. حادثة قبرشمون– على خطورتها- ليست سوى محطة من سلسلة كوارث ترشّح هذا البلد لتصدر لائحة الدول الفاشلة بلا منازع، فالانهيار آخذ بالتوسع والشمول والتهام كل شيء. عشية الحادثة المشؤومة كان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يصرّح لوكالة "رويترز" بأن "معدل النمو في البلاد بلغ صفراً في المائة منذ بداية 2019، لكن آفاق الاقتصاد بصدد التحسن بدعم من قطاع السياحة، وبفضل موسم سياحي جيد، لكن لننتظر ونر"... (شي لله يا سياحة). فمشهد اشتباكات ليل الأحد في بلدة البساتين بين كفر متى وقبر شمون كاد يشعل فتائل التفجير الداخلي ويطلق شرارة الانزلاق نحو فتنة كبيرة، ومن بعدها بعض التصريحات المتسرعة وغير المسؤولة والتي تفتقر إلى الرصانة والموضوعية، ما دفع كثيراً من السياح للمغادرة وبكثافة، بحسب ما أشارت صحيفة خليجية اليوم.

قبل سنتين ونصف، وعد اللبنانيون بالأمن والرخاء وعودة الحركة الاقتصادية والسياحية والاستثمارية وانتظام عمل المؤسسات ومحاربة الفساد واستعادة هيبة الدولة، فإذا بهم يغرقون أكثر في وحول المحاصصات والحسوبيات والسمسرات والمناكفات والنفايات والكسارات وحسابات الإلغاء. ليست المشكلة عند ما يواصل العمل وفق مصالحة وحساباته وطموحاته الزعاماتية وشعبوياته المشبوهة، بل في من يؤمن الغطاء والشرعية له سواء من المرجعيات المنوط بها حماية الدستور والميثاق والصيغة أو من الأطراف السياسية المتمتعة بفائض القوة. الكارثة الأكبر أن من بين اللبنانيين من يستمر بالتصديق بأن الأمور قابلة للتحسن من دون اللجوء إلى تغيير جذري وكبير.

من يعرفُ السّاسةَ في  لبنان، يعرفُ أنهم موهبون بالكلام، والإكثار منه بِنَهَمٍ كبير، وخصوصاً في ما يتصل بموجبات المصالح السياسية والشخصية والحزبية، وكل الممارسة السياسية والشاشات والإذاعات والصحف تشهد بذلك، لكن الغريب إلى حدّ التعجب أن تبدأ الأمور بشعارات مطاطة فضفاضة عن الديموقراطية والميثاقية والدولة والنظام والشراكة استعادة الحقوق وكل المعارك الدونكيشوتية، لتنتهي اتفاقات ثنائية والتزامات مسبقة وتقاسم حصص ومغانم وخنقاً للنظام الدستوري وللتوازن الوطني.

غريبٌ ذلك التدثّر بالطوباوية المحترفة، والعبث الكلامي الفضفاض، أو كما قال قديماً ابن خلدون في تحليله لنفسية الجماهير "فاز المتملقون". وطالما الشيء بالشيء يذكر، فإن انتقاد تمسك طرف سياسي بمفهوم مغلوط عن الميثاقية مثلاً، لا يعني، ولا ينبغي له أن يعني، أن الأطراف الأخرى لا يهدأ لها بال إذا ما مُسّ الدستور، وأنهم حماة النظام الديموقراطي ودولة المؤسسات والعدالة! عندما يفتقد حسّ المسؤولية برعاية الشأن العام نكون أمام مشكلة أخلاقية تتطلب مراجعة وثورة، فهل تكمن المشكلة في السياسيين أم بمن فوّضهم التحكم بمصير البلاد، أم بقوانين الانتخاب التي خنقت أي احتمال، ولو ضئيلاً، لتجديد الطبقة السياسية؟

قبل فترة قال وليد جنبلاط خلال تأبينه قيادياً حزبياً "من حسنات القدر أنك رحلت كي لا تشهد المزيد من الانحدار السياسي وقبل أن تشهد لبنان الجديد الذي لم ولن نتعود عليه". أمس، عاد وحذّر من "أخذ البلد إلى مستنقع الأحقاد والضغائن والفتن".. 

للبنانيين أن يفرحوا، ولهم أيضاً أن يحزنوا، لما آلت إليه حال جمهوريتهم. لهم أن يطمئنوا ولهم أيضاً أن يرسموا ألف علامة استفهام على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم. لهم أن ينسوا أو يتذكروا.. ولهم أيضاً أن يسامحوا أو يغفروا، لكن التاريخ، بحسب ماركس، "يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة".