ما هو دور النظام السوري في أحداث الجبل!؟

منير بركات |

بمعزل عن المراحل التي مرّت بها الوصاية السورية على لبنان في عزّ نفوذها وتغطيتها الإقليمية والدولية، والتي تماوجت في تحالفاتها الداخلية لما تمليه عليها التوازنات والمصالح، وبالرغم من قوة الهيمنة، ورسم السياسة الداخلية، لكنها لم تتمكن من تجاوز خصوصيات الكتل والمناطق. كما أن أي احتلالٍ لا يمكنه السيطرة بدون التعاطي مع الواقع، ومع النسيج الاجتماعي كما هو، وذلك بالرغم من محاولات الإخضاع بالترهيب، والترغيب، والتعديل في بعض السلوك السياسي التي يفرضها الاحتلال، أو الوصاية .

إن تجذّر التأثير الجنبلاطي الوطني في ضمير الموحدين الدروز - والمرتبط بازدواجية الثقافة في عملية واحدة البعد الوطني المدني والعلماني، والانتماء التوحيدي الإنساني العروبي في كتلة الموحدين الدروز، وهو الذي تعاطى معه الشهيد كمال جنبلاط بأسسٍ علمية وفلسفية – هو الذي شكّل إيديولوجيةً ونهجاً للحزب التقدمي الاشتراكي، والذي تمّ تظهير أحد جوانبه ببرنامج إصلاحي مرحلي للحركة الوطنية اللبنانية.

إذاً، قوة القيادة السياسية المتجسدة في المختارة لم، ولن، تتأثر كما القيادات التاريخية في مختلف الطوائف الأخرى، وذلك لأنها كانت، وما زالت، تلاقي مزاج ومصالح وعواطف الناس في كل المراحل بتجانس ذلك التنوع الإيجابي في داخلها من رجال دينٍ، ومتنورين يساريين، ووطنيين، وهم الذين تجاوزوا حدود الجبل إلى رحاب الوطن بتعدّده بالرغم من بعض حالات الاعتراض التي لم تتمكن من تشكيل تيارات واسعة، لا بل كانت تصنّف بالبؤر الغريبة عن واقع الجبل. 

إلا أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي كان يتعاطى بقوة الاستيعاب والحكمة مع محاولات الإخضاع السورية المتمثّلة بتفجيرات مفتعلة، وذلك بمحاصرتها ووضعها في حدودٍ فردية وضيقة لكي لا تحقق أهدافها المطلوبة. لذلك يتميز الجبل عن غيره بعدم التورط في قتالٍ داخلي واسع .

لقد كان النظام السوري يرفض التقارب بين الطوائف، وداخل الطائفة الواحدة (سياسة فرّق تسد)، وذلك من أجل استسهال سيطرته على البلد، وتشديد قبضته على القرار السياسي. كما كان يطمح إلى الإمساك بالقرار الفلسطيني لاستخدامه في التفاوض.

ولكن بعد اغتيال الرئيس الحريري، وتوحّد معظم الشعب في ظل العلم اللبناني، وخروج الجيش السوري، وانفجار الحرب الأهلية في سوريا الذي أضعف النظام وأخرجه من دوره الاقليمي، حاول النظام مجدداً الدخول إلى المعادلة السياسية الداخلية المباشرة من خلال تحريك قوى موالية داخل المذاهب، لا سيّما الدرزية منها. وهو يفعل ذلك بالتناغم مع تجديد طموحات فئوية تتجاوز اتفاق الطائف من قِبَل التيار الوطني الحر المرفوض منه أصلاً، ومن سوريا، وحزب الله. 

لذلك لا يمكن أن تُفصل أحداث الجبل، وتهديد الوجود، وخطاب التحدي ونبش القبور، عن طموح إعادة النظام الأمني، والدور السوري في لبنان.

وفي الاستنتاج نقول بأن حادثة الجبل، وحّدت الأكثرية الساحقة من الموحدين الدروز، ولا سيّما رجال الدين، حول وليد جنبلاط، وأدّت إلى التفاف جميع المتضررين سياسياً وشخصياً من حركة جبران باسيل. كما أعادت إحياء العلاقة بين جنبلاط والحريري، وبلورت حالة اعتراض واسعة شعبية وسياسية. 

* رئيس الحركة اليسارية اللبنانية