Advertise here

في ذكرى ميلاده السادسة بعد المائة... كمال جنبلاط: ماذا مثّل وأضاف وما الباقي من نهجه وتراثه؟

06 كانون الأول 2023 14:06:33

باختصار شديد، مثّل كمال جنبلاط، وكان المعلّم، عدداً كبيراً من القيم، وهاكم بعضها، على سبيل المثال لا الحصر: 
قيم الحرية في معانيها، لا يساوِم عليها، ولا يتخلى عنها، مهما كلفه ذلك،
قيمة التقدّم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بما يساعد شعبنا على السير إلى الأمام،
قيمة الحداثة، بما تعنيه من فكر عقلاني وعلم ونظام بعيداً عن الخرافات والشخصنة وعبادة الشخص أو الفكرة، وبعيداً عن الفوضى،
قيمة الأخلاق، إذ لا شيء يغدو ذا معنى إذا افتقد قيمته الأخلاقية، أو إذا ساوم عليها، وأولها قيمتا الصدق والإخلاص، إضافة إلى رفض مظاهر الانحلال كافة، إلى التعفف، في أقصى ما يحمله من معنى،
قيمة الشجاعة، حين يكون على حق، لا يهاب سلطاناً أو قوة ولو كانت أعتى قوى الأرض،
قيمة المثابرة والعمل المباشر، فكان ينتقد الكثيرين بوصفهم "كلامويين" و"كسالى"، وقد طبّق العمل المباشر على نفسه، شخصياً، في أكثر من مناسبة،
قيمة القوة في الحق، وإعلانه، والتضحية في سبيله؛ مع شجاعة الاعتراف بالخطأ والاعتذار،
قيمتا المثالية والواقعية في آن معاً، فالمثالية المطلوبة يجب أن لا تعني الطوباوية والابتعاد عن الوقع والوقائع؛ كذلك ليست الواقعية التنكر للمثل والقيم الصحيحة والمفيدة:
قيمة النقد الصارم، العميق، لا للآخر فقط، بل لنفسه أيضاً، وبكل قسوة كما رأينا في كتابيه "الممارسة السياسية" و"هذه وصيتي"؛ كتابان لم يُستفد منهما بالقدر الكافي حتى الآن؛ 

أما ما أضافه "المعلّم" كمال جنبلاط فكثير وهاكم بعضه باختصار أيضاً:
الإنسان أولاً، قبل الجماعة، قبل الطائفة، قبل الحزب، وقبل أي تعيين فكري أو اقتصادي  أو اجتماعي أو سياسي، لا نظرية سياسية تستقيم إن لم تستند إلى قاعدة معرفية، محورها الانتماء للحقيقة، وغايتها طلب الحقيقة، ومن ثمة العدالة والتقدم،
لا يكون الإنسان حراً بمجرد نزع قيوده الخارجية فحسب، وإنما بشعوره الداخلي بحريته،  وكرامته، اعتزازه بهما، وعدم استعداده للتنازل عنهما تحت أي ظرف أو قوة قاهرة،
المؤسسات السياسية، ومنها الدولة والحزب، ليست غاية بذاتها، بل بمقدارما تخدم الإنسان وتساعده في تفتح شخصيته وإحساسه بكرامته الإنسانية، إذن هي تقدّس أو تلعن بمقدار ما تقترب أو تبتعد بالإنسان عن الغاية تلك، لا حرية، ولا مواطنة، ولا إنسانية، إن لم تعمّ المدارس القرى والأحياء، وتعم التنمية العدالة الأطراف والفئات الاجتماعية كافة دون تمييز طبقي، هو أصل كل القلاقل الاجتماعية؛

أضاف كمال جنبلاط  في ميثاق حزبه، كما في بيانات لاحقة، وللمرة الأولى في الشرق، (منذ ثمانين سنة)  فكرة "البيئة" التي تحتضننا ومنها حياتنا وتوازننا، كما أمراضنا وانحرافنا حين نسيء إليها، وقدم نقده للحضارة الغربية التي شوّهت البيئة، باستخدامها العلم والتقنية في غير مصلحة الإنسان، ليس فقط في مستعمراتها، بل في أوروبا نفسها، بل تنبأ بنهاية غير بعيدة للحضارة المادية الاستهلاكية تلك.

أضاف جنبلاط، وللمرة الأولى، في النظرية السياسية العربية، فكرة النُخب، المرشحة لتكون تلقائيا قيادات لشعبها، القيادات الأخلاقية المستعدة للتضحية، لا الزعامات الارسطقراطية، الاشتراكية ليست فقط أنظمة خارجية، بل مطلب داخلي يتضمن التوازن الفردي والاجتماعي والكوني ولا يتعارض مع القناعات الشخصية، ومنها الإيمان الديني، لا بوصفه نظاما مقفلاً وإنما باب شخصي للحقيقة، يحتمل الآخر ويسمح بالتنوع دون كراهية  أو إقصاء، نحو عروبة حضارية، وليس تاريخية أو قومية فقط، قوامها اللغة، والتعددية، والديمقراطية وحقوق الإنسان – لا العروبة السجن الكبير!

وأخيراً أضاف محلياً وعالمياً الصداقات الواسعة التي جمعته بأهل الفكر والقادة الروحيين، من نعيمه، إلى الأباء جورج خضر، ميشال حايك، غريغوار حداد، إلى المشايخ الموسوعيين وفي طليعتهم عبد الله العلايلي، رفيقه في تأسيس الحزب الاشتراكي، إلى فضيلة الشيخ أبو محمد جواد، إلى مشايخ أجلاء أخرين في الأزهر الشريف وفي النجف الأشرف؛ كما في روحانيي الهند والتيبت، ولطالما التقينا ببعضهم في ضيافته؛ كمال جنبلاط، في كلمتين، تجربة ُاختراقٍ فلسفي سياسي حديث، متقدم، في بنى اجتماعية وفكرية رجعية؛ وفي أنظمة، هي بمعظمها جاهلة، متخلفة، واستبدادية، مع الأسف؛ 

وبالمقابل، كان العالم الشرقي والغربي، كما العالم العربي المتقدم، أكثر معرفة بأهمية كمال جنبلاط وثقافته، وتقديراً لأفكاره الإصلاحية، من بعض اللبنانيين الذين لم يروا إليه إلا من خلال هذه الطائفة أو تلك، ووفق مصلحة هذا الزعيم أو ذاك. 

كثيرون خارج لبنان قدروا كمال جنبلاط حق قدره، من الاشتراكية الدولية، حيث كان نائباً لرئيسها، إلى الأوساط الروحية في الهند وأوروبا، إلى الأوساط الفكرية في اليونسكو، عرفت  كلّها كمال جنبلاط حق المعرفة؛ إلى فلسطين، التي جعل شعبها إسم كمال جنبلاط لميادين ومدارس ومؤسسات، بل جعل  شارة الحداد على روحه على سور المسجد الأقصى.

كمال جنبلاط في ذكراه نظلمه حين نحشره في إطار ضيّق، هنا أو هناك، ونطلق قيمته الفكرية والأخلاقية كاملة، حين نرى إليه باعتباره نهجاً يستحثنا على متابعته، ومدرسة في أكثر من باب نتعلم فيها ومنها باستمرار.