هل الاقتصاد اللبناني بات على شفير الانهيار؟

د. وليد أبو خير |
تكاثرت التعقيدات وتعدّدت المشكلات التي تُطبق على عنق الاقتصاد اللبناني، لتشبك كافة قطاعاته الاقتصادية بالمعوّقات والتأزمات فتسدّ منافذه، ولترخي بآثارها السلبية على الواقع الاجتماعي والحياتي، والذي يبدأ من تفاقم الوضع المعيشي من السيئ إلى الأسوأ، ذلك أن أكثر من 350 ألف مواطن لبناني يعيشون على أقل من 2.5 دولارين في اليوم، وأكثر من مليونٍ منهم يعيشون على أقل من 4 دولارات في اليوم، في حين أن 0.3 في المئة من سكان لبنان يمتلكون 50 في المئة من ثروته. بالمقابل فإن حوالي 30 في المئة من اللبنانيين هم فقراء، وإن النسبة في تزايد سنة تلو الأخرى ومنذ العام 2010 ولتاريخه، لتسجل هذه الزيادات حوالي 65 في المئة. مرورًا بتفشي البطالة المجتمعية في مختلف أوجهها، خصوصًا بين الأوساط الشبابية والتي لامست حدود 37 في المئة، وإلى انعدام آفاق العمل في السوق المحلي، حتى انفجار حالة الهجرة الخارجية والتي تُفرغ البلد من ثرواته الوطنية على الصعيد الإنساني. حتى أضحت الحالة الاقتصادية منكشفة على عيوبها مع تفاقم الحالة الاجتماعية إلى أعلى مستوياتها، والتي تتمثّل بتواجد النازحين السوريين في الداخل اللبناني وبما يلامس المليوني شخص تقريبًا – على الرغم من عودةٍ خجولة إلى بلدهم -، إلى جانب ما يحتضنه لبنان من استضافة الفلسطينيين، ما يشكلان معًا عبئًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا، إن لم نقل سياسيًا أيضًا، في بلدٍ لا تتجاوز مساحته الجغرافية مساحة مدينة من مدن بعض بلدان العالم.

وفي موقعٍ آخر، ما يطرح التساؤل حول كيف ستدار عجلة الاقتصاد المحلي بعيدًا من الخطط المالية المسبقة، في ظل غياب موازنات وطنية منذ العام 2005، يحظى من خلالها الاقتصاد على مسلك تُعتمد فيه الرشادة والتوازن في الصرف والإنفاق كما وفي إدارة الواردات بين القطاعات الاقتصادية كافة.

هذا وتتعاظم التعقيدات الاقتصادية لتصبح أزمات بنيوية مستعصية إلى حدّ ما، جراء تفاقم حجم الدَين العام وتناميه، والذي وصل إلى حدود 80 مليار دولار، أي بنسبة تجاوزت حوالي 140 في المئة من حجم الناتج المحلي الإجمالي، والذي أشارت في هذا الصدد بعض المراجع ووكالات الإحصاء إلى أن لبنان هو الدولة الثالثة في العالم من حيث حجم الدَين العام. هذا وترافق ذلك خدمة الدَين والذي يزيد العبء عبئًا يرخي بثقله على الحالة الاجتماعية، حيث تنفق الحكومات المتعاقبة حوالي 50 في المئة من مداخيل الخزينة العامة على تسديد فوائد ورسوم هذا الدَين، إضافة إلى إزدياد كلفة التأمين على ديون لبنان السيادية. في مقابل تراجع وتراخي معدلات الناتج الوطني.

ولا مشاحة من القول أن الخطر من تفاقم وتنامي المديونية العامة وملحقاتها، إنما يقابلها انعدام الإنتاج في لبنان والذي قد يقضي على استمرارية الدورات الاقتصادية فيه فتدخل في فوضوية تسلسلها.

هذا وتحتل أزمة قطاع الطاقة المِفصَل الأساس في عجز الموازنة الوطنية، والتي تصل تكلفة هذا القطاع إلى مليارَي دولار سنويًا. إلى جانب أن لبنان أضحى في مقدمة بلدان العالم من حيث أعلى عدد لساعات تقنين الكهرباء. فإذا ما تمّ التخلص من هذا العبء الممنهج – إذا جاز التعبير – عبر ترشيد القطاع الكهربائي، فإن الأزمة المالية والاقتصادية في تنامٍ مطّرد.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن التغيّر الملحوظ الذي طرأ على أحوال المغتربين اللبنانيين سواء في دول الخليج العربي أم في القارتين الأفريقية والأميركية، قد انعكس على انخفاض نسبي في دخول الأموال الاغترابية إلى منظومة الاقتصاد اللبناني، ما أدى إلى تراجع نسبة الاستهلاك داخليًا، وما رافقه من تراجع في حدّة هذا الاقتصاد.

ويشهد قطاع الإنتاج الصناعي حالة من الإهمال الحكومي، أولها وأهمها غياب سياسات استثمارية على مستوى الصناعة من حيث انعدام البنى التحتية من طاقة، واتصالات، ومعالجة النفايات الصناعية، وقروض صناعية، والدعم الجمركي لاستيراد الخامات…ألخ، والتي تسهم في خفض التكلفة الإنتاجية، وبالتالي إلى انحلال التطور الإنتاجي. وهذا أدّى إلى تحويل العديد من الاستثمارات الصناعية لصناعيين محليين وأجانب إلى خارج حدود الوطن، ما أفقد الاقتصاد المحلي أحد أهم مقوماته، إن على صعيد رفع معدل الناتج المحلي الإجمالي، أو على صعيد توافر فرص العمل.

كما يواجه القطاع الزراعي حالات إهمال قصوى من الحكومات المتعاقبة، تؤدي إلى إشاحة وجه المزارعين عن العديد من الزراعات التنافسية، وإلى عدم تطوير الزراعات التقليدية، ومنها غياب سياسات الإرشاد الزراعي، والبرامج الحمائية، والضمانات الاجتماعية، والقروض، والمساعدات الزراعية…ألخ. أما أهمها فهو غياب سياسة الترشيد لتصريف المنتجات الوطنية من خلال اتفاقيات التبادلات الاقتصادية العشوائية والتي تفتقر إلى الرشادة، وفي البعض منها تخضع إلى عامل المحسوبية والنفعية. في مقابل عدم انتظام السياسة الاستيرادية للمنتجات الأجنبية والتي تشكّل عاملًا تنافسيًا للمنتجات اللبنانية. وهذا ما ينذر بكساد المواسم والمحاصيل إلى حدّ إتلافها، فيتحمّل خسارتها المزارع اللبناني من جهة، لتقف حائلًا أمام رفع معدّل النمو الاقتصادي من جهةٍ أخرى.

وما يزيد الأمر تعقيدًا، التجاذبات السياسية التي توصل إلى انقسامات في الجسم المجتمعي الواحد والتي لها تأثيراتها السلبية على الواقع الاقتصادي، حيث شهدت أرض الواقع السياحي تراجعًا في هذا القطاع نتيجة الحذر الذي يتملّك السياح من القدوم إلى لبنان في ظل التعمية على حالة الأمن الإداري، وآخرها الفضيحة الإدارية اللوجستية التي برزت في مطار رفيق الحريري الدولي والتي تنمّ ربما عن التحضير لصفقة تقف عائقًا في سير التشكيل الحكومي المنتظر، والتي وإن دلت فإنها تدلّ على حقيقة الصراع الدائر في الوسط السياسي في الإستماتة لدى البعض على تملّك وزارات محدّدة لأطراف معيّنة يذهب ضحيتها الاقتصاد اللبناني في المقام الأول، وفي انحلال النشاط السياحي، وإلى خدش مشاعر المواطنين والسائحين في المقام الثاني.

كما لم يعد خافيًا على أحد أثر الصراعات الإقليمية في الدول المجاورة كسوريا والتي تسهم في تراجع التبادلات التجارية من صادرات ومستوردات بين لبنان والدول الأخرى، والتي تشكًل سوريا منفذًا ومعبرًا هامًا لها، وبالتالي تحوّل هذه التبادلات إلى منافذ ومعابر أخرى بحرية وجوية، ما يرفع تكلفة هذه المعاملات والتي تنعكس على مؤشرات الأسعار داخل الاقتصاد المحلي.

كما يترافق مع التعقيدات الاقتصادية افتقار الاقتصاد اللبناني إلى البنية التحتية الضرورية والتي تسمح باجتذاب الاستثمارات العربية والأجنبية لمنظومة الاقتصاد المحلي، يقابله ضعف، لا بل غياب نظام الحوكمة في بنية مؤسسات الدولة وإداراتها الرسمية، والتي تحدّ من تحسين شروط الإنتاجية، وبالتالي من رفع مستوى التنافسية من خلال الحدّ من ظواهر الفساد. وهذا ما يعيق تقدّم الاقتصاد اللبناني.

هذا ويشكّل عدم تطبيق وتنفيذ اللامركزية الإدارية والاقتصادية إسًّا هامًا في تراخي عملية تنمية الاقتصاد ورفع معدلات نموه، حيث تتحكّم البيروقراطية في أجهزة الدولة ومؤسساتها، ما يسهم في التباطؤ في اتخاذ القرارات الاقتصادية ومدى تأثيراتها على حسن سير عملية الإنتاج وبفعالية. مع الإشارة إلى أن الاقتصاد اللبناني وكأي اقتصاد محلي، فهو وبطبيعة مفاعيل العولمة الاقتصادية، أضحت هذه الاقتصادات مرتبطة ببعضها البعض عبر العالم من خلال حرية تنقّل رؤوس الأموال والمعاملات الاقتصادية والتجارية.. وهذا ما يستدعي التركيز على تفعيل لامركزية القرارات الاقتصادية وبالأحرى تسريع إتخاذها من خلال البنية اللامركزية والتي تسهم في اجتذاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لتفعيل عملية النمو الاقتصادي.

محصلة الكلام، أنه أضحى واضحًا من أن جلّ ما يحتاجه الاقتصاد اللبناني هو التغيير في الذهنية العامة لدى مكوّن المجتمع السياسي، في ظل نظام قائم على العصب والعصْف الطائفي، الذي تتحكّم به ذهنيات وأيديولوجيات تعمل على تفعيل التمثيل الطائفي بدلًا من التمثيل لتوجهات سياسات اقتصادية، تنتقل بها إلى روحية المبادرة التعاونية، وإلى العمل بمعاييرها الأبوية للنهوض بهذا الاقتصاد، والتي يتصدّرها الاتحاد حول فك عقده وحل مشكلاته التي باتت معروفة لدى جميع الأطراف. لذا، فإن الشروع في تحقيق غايات الإنماء والتنمية الاقتصاديَين إنما هو بحاجة إلى ثورة تغييرية تبدأ بثورة على الذهنية المنغلقة، تؤسّس لثورة تعاونية تجمع فيها مقدّرات أبناء الوطن واتحادها في إنسيابية وإنسياق فكري يتاح من خلالها وعبرها حوكمة الحلول للتعقيدات الاقتصادية في المنظومة اللبنانية، وبالتالي ما يؤدّي إلى بسط الأمن الاقتصادي.

وبين هذا وذاك، وفي ضوء هذا الواقع،
هل يصحّ الاعتقاد أن اقتصاد لبنان على شفا الانهيار؟!
أم أن الساحة المحلية ستشهد انفجارًا اجتماعيًّا مرتقبًا؟!
أم أن الاقتصاد المحلي سيؤسّس لمرحلة سيواقتصادية جديدة؟!

كل ذلك رهن الأيام المقبلة.

*باحث اقتصادي وخبير في قانون المحاسبة لدى المحاكم التجارية.