Advertise here

أعالي البحار… ولعنة الشرق الأوسط

30 تشرين الثاني 2023 13:54:26

ليس هينا ان تستدرك الجماعات حقيقة المسميات التي اطلقت عليها او على مناطقها من دون ان تلتفت الى اقتران أحوالها يوما بتشابك الجغرافيا والتاريخ، وتكون مدعاة انجذاب الى سوء مآلها او حسنه عندما تنزع منها القدرة على رفض هذه النعوت الاسمية او قبولها، ولكنها تستكين على مبدأ التعود وتلوذ بالصمت فتأخذ من مسمياتها نصيبا وتكتفي به، في حال ضعفها، كقدر مكتوب تعتاده او انصياع طوعي يلزمها ويلزم اجيالها. عندها لا يعود الامر محصورا بالتعريف الدقيق الواضح في وصف المفهوم للاشياء، او رهينا بالتوافق على الاصطلاح الذي هو اتفاق قوم على تسمية شى ما، ووضع اللفظ بازاء المعنى لبيان المراد، وعلى كل حال فإن اطلاق تسمية على شي ما قد تكون الاقرب اليه شبها، الا ان "المصطلح" قد يكون شديد الالتباس في المعاني المتشابهة و المترادفة والمترابطة، مثل تسمية "الشرق الاوسط" وهي تسمية اميركية متعالية مفعمة بالنظرة الفوقية الى جغرافية العالم ووفق توزيع الانصبة والحصص بين المحور الاوروبي والاطراف، بغض النظر الى المنطقة المشمولة بالتسمية وحدودها الجغرافية، المترامية حينا والمنحصرة احيانا، والدول المنضوية غير طواعية الى التسمية التى تشمل جزءا من اسيا وتمتد الى افريقيا قبل ان تنحسر.

وقد كان يرمز اليها انها "الحضارة المصرية القديمة وبلاد ما بين النهرين وحضارات كنعان" وهي منطقة مهد الديانات السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلامية، او "الديانات الابراهيمية" وهي تسمية يعمل على استعمالها بقوة حديثا من بعض المفكرين في اوروبا واميركا. ولكن الثابت انها أوروبية المنشأ مثل تسمية الشرق الادنى Near East التى لم تعد تستخدم بشكل كلي بعد افول الإمبراطورية العثمانية، دوافعها اقتصادية استعمارية وفقا لحاجات تقاسم الاسواق والنفوذ. وعندما تؤخذ الشعوب عنوة في ادارة شؤونها او مسك حبائل سياساتها قد تصبح الامور سهلة الركون الى الاستسلام لقدرية احوالها وتطلع مآلاتها، ولكن ان تسمى على مسميات تظهر مدى انسياقها في التبعية الجغرافية. مثل “الشرق الاوسط” عندها يطوح السوال اذا ،هذه المنطقة هي شرق لمن؟ واوسط لمن؟ هو تساؤل مشروع؟ لان حالها كحال المرء عندما يطلق عليه اولياؤه اسما يرافقه من الولادة الى ما بعد الحياة.

من دون اعتراض او تبرم. وبالتالي هي قدرية الاشياء في مسمياتها مثل تلازم النعت والمنعوت به بغض النظر للمرة الاولى التى تم استخدام مفردتي “الشرق الاوسط “الا انها تنسب الى المؤرخ والعالم الجيوستراتيجي الادميرال الاميركي الفرد ثاير ماهان Alfred Thayer Mahan الخبير في البحرية الاميركية التى اطلقها عام 1902 للدلالة عن المنطقة الواقعة بين الجزيرة العربية والهند، الذي حصر كتاباته في مؤلفه تاثير قوة البحر على التاريخ ” The Influence of Sea Power upon History وقد تسلل الى ذلك من الخريطة الجغرافية وينسب اليه والى نظريته ومفهومه الآثر الهائل في الفكر الاستراتيجي البحري الذي تعتمده الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا وفرنسا و من خلفها اغلب الدول الاوروبية والى المبادئ البحرية السائدة حتى تاريخه ولكن لعنة الجغرافيا تتأتى من المآسي التى تشهد هذه المنطقة والحوادث التى تحصل.

فلا احد يدري ما هو شعور الجنرال ماهان اكان بالزهو او بالخيبة عندما يعلم ان حاملات الطائرات الامريكية واساطيلها البحرية تجوب البحر الابيض المتوسط بعد مئة و احدى عشرة سنة على وفاته، وان كان قد يؤلمه ما حصل ويحصل في غزة من سفك اسرائيلي للدماء وافراط في التدمير، وانغماس في الصمت العالمي الرسمي على حجم القتل المباح ضد المدنيين من الفلسطيين، ولربما قدلا يكترث أو قد يلوذ بالصمت ايضا عما اقترفت نظريته وافكاره هذا البريطاني الأصل صاحب نظرية القوة في البحار تسيطر على البر ولكنه لم يدر بخلده. ان لعنة الشرق الاوسط ستلاحقه الى أعالي البحار ولربما الى ولاية الاسكا التى كان وراء فكرة ضمها الى الولايات المتحدة الاميركية من روسيا لانها ذات ثلاثة شواطئ على المحيطات حيث تقسم الجغرافيا على اساسها وتكنى المناطق بالاسماء.