باسيل "مبشّرًا" وجائزة نوبل للسلام في انتظاره!

04 تموز 2019 12:28:00

إنتظر وزير الخارجية جبران باسيل مرور يومين على "زيارة التلاقي" إلى الجبل ليعلّق على مجريات ذاك اليوم، وما خلُص إليه من هدر للدماء على مذبح "الشراكة الحقيقية" التي ينتهجها "التيار الوطني الحر" على مساحة الوطن مكرّسًا نهجه في "الإنفتاح القوي" على المكونات كافّة.

بحكم عملي مع الأسف الشديد تابعت مؤتمر باسيل من ألفه إلى يائه، كي أستخلص منه أبرز المواقف للنشرة الإخبارية. فبدا الرجل هادئًا في نبرته مستغربًا لكلّ ما حصل يوم الأحد، ومستخدمّا عبارات فيها من "الوطنية" ما يجعل أيّ مواطن يرفع له القبعة. كيف لا والرجل يجول في جغرافيا الوطن ليمدّ جسور التلاقي بين أبنائه، ويكرّس المصالحات التي طوت الحروب من دون أن تمحي ويلاتها وذكرياتها.

قصد الرجل عاليه كما قصد قبلها بشري ولاحقًا طرابلس ومناطق أخرى، استبق كلّ جولاته برسائل التعايش ولم ينسّ أن يذكّر بها أثناء الزيارات "فالنسبة لنا الجولات في المناطق واجب علينا لتعميم التلاقي بين اللبنانيين"، هذا التلاقي في فصله الأخير في الجبل  كلفّ إلى اليوم حياة شابين بعمر الربيع وثالث بين الحياة والموت، هذا التلاقي بدا واضحًا في خطاب باسيل من الكحالة "التي صمدت في الحرب وعن الكوع الذي فيه الكثير من الدلالات ..ولو سقطت الكحالة ..."، وهي مرحلة لها في ذاكرة أهل المنطقة صورًا مؤلمة عن حروب أفقدتهم المئات من أحبّائهم. فالرجل لم يقل سوى كلام "في الإطار الإيجابي" ولكنّ الناس نواياها سلبية، أمّا هو فيستغرب كيف فُهم الكلام على أنّه استفزازي.

 "فلن تحدث فتنة ويكون للتيار ضلع فيها واذا اقتربت منّا ندفعها عن لبنان فنحن تيار يعمل ويبني". أمّا الفتنة التي حصلت فلا دخل للوزير باسيل بها، هي اندلعت بين أبناء الطائفة الواحدة. وهنا كان لافتًا سرده للاتصالات التي تلقاها والتي جعلته يلغي زيارته لكفرمتى، وكيف أنّ الوزير صالح الغريب أصرّ على ذلك، " لم نرغب بالوقوع في الكمين وأبلغت الغريب بذلك، ولكنّه لم يرضّ وجاء إلينا وهو يفكر من محبته بأن نذهب معًا، ثمّ ذهب الغريب وحصل ما حصل وسقط شهداء".  أراد باسيل من السرد المفصّل أن يظهر أنّه رفض دخول كفرمتى في حين أنّ الغريب دخلها في هذا التوقيت، وهو الأمر نفسه الذي أشار إليه وزير الدفاع الياس أبو صعب في اتصال مع قناة "الجديد". وفي المعلومات من قبل أحد المشاركين لباسيل في جولته، أنّه تفاجأ بعناد الغريب وإصراره على دخول البلدة على رغم الإحتجاجات والتحذيرات، وأنّ الغريب كان غاضبًا جدًّا بسبب إلغاء زيارة باسيل لدارة عمّه وأراد "أن يفش خلقه".   

 "تحدثنا عن الشراكة وتحدثنا أنّ التيارالوطني الحر يحتضن كلّ الطوائف، لكن صوت الرصاص حجب صوت المحبة"، التحية كل التحية معالي الوزير لصوت المحبة التي اسمعتنا إليه طيلة حياتك السياسة، ولكن ماذا تفعل بأُناس لا تصغي لصوت المحبة النابع من ذهنيتك الإنفتاحية. عذرًا لا يمكنني استحضار خطاباتك المُحبة هنا، فهي أطول من أن تُختصر بمقال، فقط سأكتفي بما قلته في 15 تشرين الأول عام 2017 " العودة ما تمت والمصالحة ما اكتملت .. حق الإنسان يعرف أهلو وين وعظامهم وين".

"قمنا بجولات في 20 قضاء في لبنان حتّى الآن، وفي كلّ الجولات يكون كلامنا انفتاحيًا ويعبّر عن سياسة مدّ اليد"، بالفعل في كلّ الجولات  حُمِلت على الراحات واستٌقبلت بالورود ونثر الأرز، نتيجة سياسة مدّ اليد هذه على صلاحيات رئاسة الحكومة، والتي جعلت المكوّن السنّي يحضّر لك استقبالًا رائعًا في طرابلس يليق بالمحبة التي تحملها معك أينما ذهبت، هذا المكون بشقّيه السياسي والشعبي الذي لا يرتاح علنًا وفي السرعلى تلك التسوية، هو مكّون لا يقدّر سياساتكم الإنفتاحية. سياسة مدّ اليد هذه للشريك المسيحي الذي عقدتم معه اتفاقًا لتشارك المناصب مقابل وصولكم إلى بعبدا ولاحقا تنصّلتم من توقيعكم، أيضًا استقبلكم في بشري بالترحاب بعدما أدخلت زيارتكم الفرح إلى قلوب أبناء المنطقة. أمّا المكون الشيعي الذي تتحالفون معه هو أيضا لم يسلم من سياساتكم الإنفتاحية، ولكثرة ما أرسلتم إليه من أصوات المحبة بتسريبات "بلطجية" من هنا وخطابات من هناك نزل إلى الشوارع غاضبًا مستنكرًا ، وفي جولة من ردات الفعل على صوت محبتكم أصابت رصاصاته مبنى ميرنا الشالوحي ، فهذا المكوّن أيضا لا يلاقي محبتكم سوى بالرصاص.

الرسالة الأبلغ التي استوقفتني في مؤتمر باسيل تلك العبارة التي قالها وبالفم الملآن "نحن نعمل لمصالحة بين أيّ فريقين مختلفين وتحديدًا بين الدروز"، نعم معالي الوزير سياسة تكريس المصالحة بين الدروز التي تنتهجها دومًا جعلتك تخترع كتلة للنائب طلال ارسلان الذي وُهب المقعد النيابي لتستفزّ المكون الآخر، وفرض عليك هذا النهج التصالحي أن توزّر لمنصب الدرزي الثالث شخصية محبّة مثلكم تشبهكم بنهج التلاقي، بعدما بادر النائب السابق وليد جنبلاط ووضع بعهدة الرئيس ميشال عون أسماء تسهيلًا لولادة الحكومة. هذا النهج التصالحي جعلك تحجب الدعوة عن شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، لم تكن تقصد أبدًا اللعب على هذا الوتر وتعميق الإنقسام. وهذا النهج أيضًا جعلك تقرّر زيارة الشيخ الغريب في كفرمتى لأنّك صاحب واجب ومن غير اللائق أن تمر في المنطقة من دون زيارة الأصدقاء. ولكن بعض الدروز يسيئون فهمك دومًا، لا تهتم لهم معالي الوزير المحب فنواياهم سيئة، وإن شاء الله فلترتدّ نوايا كلّ واحد على نفسه، هذا ما يقوله مشايخ طائفة الموحدين الدروز عندما تشتدّ المحن وتتراقص الشياطين، وهذا ما سوف أقوله بدوري لك، علّ "المصالحة العميقة لا السطحية" التي تعيشها وتمارسها في كلّ الميادين، كما قلت في مؤتمرك الصحافي علّها ترتدّ عليك، لتجلب لك التأييد العارم لطموحاتك الرئاسية المستقبلية، وعلّ "سياسة الانفتاح ومنع الفتن وكشف أصحابها بالطريقة اللازمة" تكرّسك زعيمًا وطنيًا عابرًا للطوائف.

معالي الوزير صدقًا أقول، لو كانت المرّة الأولى التي أستمع فيها إليك تخطب في "شعب لبنان العظيم" في ذلك المؤتمر، وما ضمّنته من عبارات التلاقي كزعيم لتيار "قادر على التواصل مع كلّ المناطق"، لكنت منحتك وبلا تردد جائزة نوبل للسلام، ورفعتك إلى عرش المهاتما غاندي، وعشت حياتي المتبقية متطوعة في مشروعك الوطني.

 معالي الوزير دمتم ودامت سياستكم في الإنفتاح والتلاقي على كلّ الطوائف والمناطق، نحن الجيل الذي لم يعش الحرب الأهلية نسترجع ذكراها بفضلكم، فبالله عليكم هلّا تقرأون روايات أخرى للكاتب جبران خليل جبران غير "حفّار القبور".