قال لي: عندما تهاجم الفساد ابتسم بألم!!

محمود الأحمدية |
إلتقيته في الطائرة وبعد تعارف وعندما سمع بإسمي قال لي: يا أخي كل مرة أقرأ مقالتك الأسبوعية على الموقع الإلكتروني وأقرأ هجومك على الفساد في لبنان، أشعر بمزيج من الألم وبسخافة القدر وأتضايق منك لأن هذا الفساد فتح بيتي وأسعدني…!!

وللوهلة الأولى تخيلت أن رفيق الصدفة في رحلة الطائرة هو أحد المقربين لأحد مراكز القوى واستغل نفوذه فنهب ونصب وسرق… وكأنه شعر بما يجول في خاطري ففاجأني قائلاً: قصتي عمرها فوق الثلاثين عاماً… ومثل أكثرية اللبنانيين الساحقة صعوبة الحياة وثقل المسؤوليات وصولاً إلى الإختناق الاقتصادي شبه اليومي…

ورحلت عن وطني غير آسف ومعي حقيبة صغيرة فيها أشيائي الخاصة والذكريات والصور والمقربين إلى قلبي حتى تبقى الصورة رفيقة دربي وتنعش فكري وتحفزني في ديار الغربة…

بدأت عملاً في مطعم في الأرجنتين ثم حمالاً في الميناء ثم ذهبت إلى التشيلي بناء على نصيحة بعض الذين تعرفت عليهم… وعرفت الجوع في كل دول أميركا اللاتينية واشتغلت أيضاً بائعاً متجولاً ثم فتحت محلاً صغيراً لبيع المنسوجات ثم اشتريت مصنعاً صغيراً لنسج المنسوجات وكبر المصنع وكان ذلك في البرازيل… وكبر الحلم وفتحت مصانع في كندا وأميركا الوسطى…

واستطرد قائلاً لي: لولا الفساد والطغيان ومجتمع الـ 5% والأكثرية الساحقة التي تعيش خبزنا كفاة يومنا لما استطعت أن أصل إلى واحد من ألف مما وصلت إليه…

كنت أستمع وأستمع وأستهلك حديث رفيق الرحلة مدة الرحلة كاملة وكنت كمن يسمع قصة ليست الأولى بل هناك مئات آلاف القصص المماثلة عند اللبنانيين بالذات ونجد منهم في أوروبا وأميركا ومن الذين لم يسعهم وطنهم وعاشوا الذل والقهر وعدم التساوي في الفرص فرحلوا غير آسفين وارتقوا بعد أن تعبوا وأبدعوا بعد أن ذرفوا العرق والدموع…

وأسسوا المصانع الضخمة والأسماء اللامعة في كل المجالات وتراهم في أغلبية مدن العالم ومكاتبهم في ناطحات السحاب واسمهم يلمع ليلاً نهاراً إبداعاً وشهرة وثقافة وأدباً وفن وصناعة وتجارة وفي الطب والهندسة…

ملاحظتي التي تتملكني وتناقض كل ما سمعت من صديقي هي التالية:

أنا لا أصدق أن الفساد والطغيان في احتلال كل الفرص في الوطن هم الأساس في فتح الطريق لكل المبدعين في وطني… بل تصوري العكس تماماً لو أنهم عاشوا في بلد عادل وحكم عادل وتساوي في الفرص وابتعاد عن الفساد والسرقة، (لنجحوا أكثر) و(تفوقوا أكثر) و(انطلقوا أكثر) وأكثر وأكثر…

ألف نجاح لا يساوي أبداً… ملايين الفقراء والعبيد والتعساء!!

وألف ملياردير لا يساوي عندي قتل بريء إن لم يكن بالرصاص يكون بالجوع والتجويع!!

المغترب رأسمال كبير لوطني ولكنه مزيج من طموح وتحقيق الذات في الخارج، ولكن هذه الطاقات لو تفجرت في وطني لكان مفعولها أكبر بآلاف المرات… ولكنني أعود لحديث زميل الطائرة: لولا الفساد والطغيان ما كنت سافرت!!.