قمة المفاجآت

فاجأت قمة العشرين التي انعقدت في مدينة أوساكا اليابانية العالم، وطوت صفحة من التشنج الشخصي والسياسي الذي ساد بين قادة أبرز الدول بعد قمة بيونس آيرس التي عقدت نهاية نوفمبر / تشرين الثاني 2018 في الأرجنتين، والتي انتهت على «زعل»، بعد اعتراض واشنطن على أهم بندين في البيان الختامي واللذين يتناولان موضوع المناخ والاقتصاد العالمي. وزاد من أجواء التشاؤم في حينه إلغاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اجتماعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب أزمة احتجاز روسيا للسفن الأوكرانية الثلاث في مضيق بحر آزوف.

مجموعة العشرين التي أُسست قبل 20 عاماً على أثر الأزمة المالية التي حصلت في العالم عام 1998؛ تضم الدول الأقوى اقتصادياً، وهي تمثل القارات كافة، ويعيش في دولها 66% من سكان الكرة الأرضية، وفيها 90% من الناتج الإجمالي العالمي. وعادة ما يحضر إلى جانب رؤساء دول مجموعة العشرين التي تضم الاتحاد الأوروبي أيضاً؛ ممثلون عن المنظمات الدولية والإقليمية الفاعلة، كصندوق النقد الدولي على سبيل المثال.

قمة اليابان التي انعقدت بين 28 و29 يونيو / حزيران 2019؛ كانت قمة ناجحة من حيث الشكل ومن حيث المضمون، وقد طوت صفحة من التوتر الذي كان يسود بين عدد من قادة الدول الكبرى، ولا سيما منهم الرئيس الأمريكي والرئيس الروسي اللذين عبرا عن عدم الرضا عن علاقات بلديهما في الفترة الماضية، ووصف الرئيس بوتين منذ أيام قليلة علاقات بلاده مع الولايات المتحدة؛ بأنها تسير من سيئ إلى أسوأ. فقد تعانقا، وتبادلا المُزاح في أوساكا، كأن هذه العلاقات تسير على ما يرام، بما في ذلك حول الملف السوري وحول التدخُل المزعوم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وحول التفلُّت من معاهدة حظر الصواريخ النووية المتوسطة المدى.

على مستوى اللقاءات الثنائية: قلما شهدت قمة دولية كثافة في الاجتماعات الثنائية بين الرؤساء كما حصل في قمة أوساكا. فقد التقى الرئيس ترامب إضافة إلى بوتين مع الرئيس الصيني شي جين بينج، واتفقا على استئناف المباحثات حول الملف التجاري المعقد بين بلادهما، والذي كان يؤرق العالم. والتقى ترامب مع الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية، كما خصَّه بلفتة إيجابية بارزة أثناء التقاط الصورة التذكارية، ودعاه إلى الوقوف إلى جانبه، واجتمع ترامب مع عدد كبير من الرؤساء الآخرين المشاركين في القمة.

أما على الضفة المقابلة؛ فقد كانت لافتة ديناميكية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي التقى مع عدد كبير من القادة المشاركين، ولا سيما مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون، وفي ملف علاقات بلاده مع هذه الدول شيء من الفتور - إن لم نقُل توتر - على خلفية الاختلاف حول شمال سوريا مع أردوغان، وعلى خلفية العقوبات الأوروبية المفروضة على موسكو مع كل من ماكرون وميركل، كما أن بوتين بحث معهما التوتر المتنامي في منطقة الخليج العربي.

ومن العلامات الفارقة في قمة أوساكا الاجتماع المهم الذي عُقد بين الرئيس بوتين وولي العهد السعودي بحضور أعضاء الوفدين المرافقين، حيث جرى الاتفاق على التنسيق الدائم فيما يتعلق بملف النفط، والحفاظ على مستوى الأسعار الحالي من خلال ضبط عمليات الزيادة في الإنتاج، وشدد الجانبان على التعاون في خفض مستوى التوتر في الشرق الأوسط.

وما زاد من مستوى التفاؤل بعد قمة أوساكا الانفراج الذي حصل في العلاقات بين الدول الكبرى، بعد أن كان التوتر سيد الموقف بين هذه الدول خلال الفترة الماضية.

ومن أبرز معالم التوافقات الدولية ما عكسه البيان الختامي للقمة، والذي لم يتحفَّظ عليه أي من رؤساء الدول المشاركين. وأهم ما جاء فيه:

- ضرورة توفير مناخ تجاري حر من دون قيود ولا انحياز، يؤمن انسياب تبادل السلع بين الدول الأعضاء.

- إجراء إصلاحات في آلية عمل منظمة التجارة العالمية تتلاءم مع تطورات العصر.

- توفير مناخ استثماري نزيه يساعد على تحفيز النمو الاقتصادي العالمي الذي ما زال يعاني من ركود غير مقبول.

- وأكد قادة دول العشرين على احترام الاتفاق الذي أبرمه حُكام المصارف المركزية في مارس / آذار 2018، والذي يدعو إلى الالتزام بأسعار الصرف المتفق عليها بين العملات الرئيسية في العالم.

وفق تقييم معظم المراقبين، فإن قمة أوساكا كانت قمة المفاجآت الإيجابية بامتياز.