ألمانيا كما لم نعرفها من قبل

17 تشرين الثاني 2023 12:35:06

منذ تولّي أولاف شولتس منصب المستشار (رئيس الحكومة) في ألمانيا قبل سنتين، تغيّرت سياسة البلاد الخارجية بشكل واسع، وتبدَّلت جذرياً الصورة التي رسمتها أنغيلا ميركل خلال 16 عاماً، وعادت برلين لتلعب دوراً متشدّداً داخل مجموعة دول الاتحاد الأوروبي، متأثرة أكثر بالسياسة الأميركية، وتحوَّلت إلى ما يشبه "بريطانيا ثانية" داخل حلف شمالي الأطلسي، بعدما مارست دور "بيضة القبّان" على مساحة نفوذ تحالف الدول الغربية، ورافعة اقتصادية لها.

وقوَّضت حكومة شولتس بمواقفها الجديدة كل الإنجازات الحيادية والانفتاحية التي صنعتها سياسة أسلافه، خصوصاً غيرهارد شرودر وأنغيلا ميركل، مع الشرق، ومع روسيا خصوصاً، وفي اتجاه الشرق الأوسط.

من أكبر المفاجآت التي رافقت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، كان موقف الحكومة الألمانية، وهي منذ اليوم الأول للعدوان الذي أعقب عملية 7 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، اتخذت جانباً منحازاً لإسرائيل، وقالت عن عملياتها الحربية الوحشية التي استهدفت الأطفال والنساء والمستشفيات والمنشآت المدنية، إنّها للدفاع عن النفس، وتبنَّت التوصيف الإسرائيلي لما جرى في غلاف غزة، واعتبرته "هجوماً مروِّعاً ضدّ إسرائيل" بينما الوقائع تدحض هذا التفسير، وما جرى هو عبارة عن عملية لمواطنين فلسطينيين ضدّ سجانين محتلين لأرضهم، وهؤلاء ضاقوا ذرعاً من القهر والعذاب والإذلال الذي يتعرّضون له في غزة، بعدما قيّدت قوات الاحتلال حياتهم بجدار يحيط بالقطاع، يكبِّل حركتهم، ويفرض القهر والقتل المجاني على سكانه.

وتُوّجت المواقف الألمانية بتصريح للمستشار شولتس بعد مرور أكثر من شهر على المجازر غير المسبوقة التي ترتكبها اسرائيل، رفض فيه المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، لأنّه يعطي فرصة لـ"حماس" بإعادة امتلاك قدرات صاروخية، وتجهيزات عسكرية تهدّد فيها مجدداً الأمن الإسرائيلي كما قال. وكانت سبقت هذا الموقف زيارة تضامن قام بها شولتس الى تل أبيب، كما أنّ وزيرة خارجيته انالينا بيربوك، زارت إسرائيل مرتين خلال فترة الحرب، وقدّمت لها دعماً سياسياً وعسكرياً، وحاولت تغطية هذا الموقف بإعلانها عن تقديم ألمانيا 38 مليون يورو مساعدات إنسانية للفلسطينيين، ستسلّمها لحكومة السلطة في رام الله، وليس لإدارة قطاع غزة.

ومن غرائب المواقف الألمانية التي لم نعرفها من قبل؛ ربطت رئيسة لجنة الدفاع في البرلمان الألماني (البوندستاغ) ماري أغنيس بين الهجوم الروسي على أوكرانيا وهجوم "حماس" على إسرائيل، وهو تفسير غريب عجيب لم يسبق أن تناوله أحد من القيادات السياسية في العالم.

كما أنّ رئيسة البعثة الألمانية إلى اجتماعات اللجنة الدولية لحقوق الإنسان لويزا أمسبيرغ، كانت الأكثر تطرّفاً بين الحاضرين في الاجتماع الذي عُقد في جنيف في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، والذي خُصّص لمناقشة انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي الإنساني في غزة، وقالت في مداخلة لها، "إنّ أمن إسرائيل وحقّها في الوجود غير قابلين للتفاوض عند ألمانيا"، وذلك رغم أنّ غالبية الحاضرين اعترفوا بانتهاك إسرائيل لقواعد الحرب، وبارتكابها تجاوزات غير مقبولة تخالف كل المواثيق الدولية التي ترعى حقوق الإنسان إبان فترة الحروب، فيما وزير دفاع إسرائيل يوآف غالانت صرَّح علناً أنّ جيشه يمنع وصول المياه والطعام والوقود عن قطاع غزة الذي يقطنه أكثر من 2,3 مليون من المدنيين الفلسطينيين، وهو انتهاك صارخ لمندرجات البند 8 من نظام روما الذي تأسست بموجبه المحكمة الجنائية الدولية، حيث تُعتبر هذه الأفعال جرائم حرب تستوجب محاسبة مرتكبيها وسوقهم أمام العدالة الدولية.

 

وبالرغم من أنّ الرأي العام الألماني تعاطف مع الشعب الفلسطيني بشكلٍ لافت، والتظاهرة غير المسبوقة التي خرجت في شوارع برلين أدهشت العالم، وهي ضمَّت مئات الآلاف من المعارضين للعدوان الإسرائيلي، إلاّ أنّ السلطات الألمانية استمرَّت في تقييدها لحرّية التعبير عن التأييد للشعب الفلسطيني، وقد أصدرت بلدية مدينة برلين تعميماً تمَّ إبلاغه للمدارس والجامعات، تضمَّن ثلاثة بنود، وهي: "إنّ لإسرائيل الحق بالدفاع عن نفسها، وأنّ الحرب يجب أن تتقيّد بالقانون الدولي، وأنّ اليهود في ألمانيا ليسوا مسؤولين عن سياسات إسرائيل". وقد اعتبرت الأوساط المؤيّدة للفلسطينيين أنّ هذا التعميم منحاز لإسرائيل، بينما لم يعترض عليه سوى حزب اليسار الألماني، لكنه لم يتمكن من إيقاف تعميمه.

المواقف الألمانية كانت محل استنكار واستهجان من جهات عربية متعددة، ذلك أنّ علاقات غالبية الدول العربية مع برلين ممتازة، وثمة تعاون تجاري واقتصادي بين الدول العربية وألمانيا يفوق بعشرات المرّات قيمة التعاون القائم بينها وبين إسرائيل. وقمّة الرياض العربية والإسلامية أكّدت على وحدة موقف 56 دولة، في اعتبار أنّ ما يجري في غزة حرب إبادة ضدّ الفلسطينيين ويجب أن تتوقف على الفور.

وما زاد من طين مواقف برلين بلَّة، اعلان الحكومة اليسارية الألمانية بأنّ مساندة إسرائيل ضرورية، وهي واجب على ألمانيا، في إشارة واضحة إلى عقدة الذنب التي يحملها بعض المتطرّفين الألمان من مجريات "الهولوكوست" الذي نفّذه هتلر ضدّ اليهود، وفي أنّ عودة هؤلاء من فلسطين إذا ما هُزمت إسرائيل؛ ستخلق مشكلات كبيرة لألمانيا، باعتبارها تتحمَّل مسؤولية تشريد معظمهم قبل منتصف القرن الماضي.

اعتماد الحكومة الألمانية الحالية لهذه المقاربة، يؤكّد الصّلف غير المبرر الذي تستند اليه في تحميل فاتورة أخطاء النازية للشعب الفلسطيني، الذي عانى ويعاني من إضطهادٍ وقهرٍ قلّما حصل لشعب غيره في التاريخ.