أزمة الديمقراطية

د. وليد أبو خير |

أصبحت الشعوب تتوجّس وتتكهّن مما قد تؤول إليه النتائج جراء التحديات التي تواجه مصائرها من النزاعات الإقتصادية والحروب التجارية والتي لا يمكن الجزم إلى أين قد تتجه بهم أطماع حكوماتهم، خصوصًا بعد أن إختلطت قطاعات الإقتصاد وتنوّعت أنشطته لتشمل الإقتصاد الحربي..، إلى ما يسمى بصفقة القرن وكتلطيف للمفردات بتسميته "السلام لأجل الإزدهار"، والتي قد تجتاح بنتائجها أمم وأوطان -فيما لو تمّت- فتذيبها في غياهب حلولها العبثية وما تحمله من إغراءات إستثمارية لن تنطلي على من بقي متمسّكًا بالقومية العربية إذا جاز التعبير، إلى التحديات التي تعيشها الأمم والتي بدأت تظهر بوادرها في الحرب النفطية القادمة التي بدأت بجس النبض في المعابر وعلى المضائق البحرية، فتطفو هذه المشهدية على الساحة الشرق أوسطية تحديدًا..، إلى المعالم غير الواضحة لسلوك درب البريكست البريطاني والذي قد يؤدي إلى تحقيق رغبات الغرب في تقليص دور الإتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة البريطانية على حدّ السواء..، إلى زحمة الحروب العسكرية المتنقلة في أرجاء الفناء العربي الذي بات اللاعبين على مسرحه مكشوفون..، إلى التقاطعات في تبادل الرسائل الكلامية وإيقاد نار الحروب السياسية المستعرة والتي تقود إلى تقويض مسارات الدبلوماسية الدولية، وبالتالي القفز على شرعية القانون الدولي العام... .

فقد أسبغت التحديات هذه على المجتمعات البشرية حالات من القهر النفسي مصحوبة بالقهر الإقتصادي والمعيشي للشعوب، والتي قوّضت وحدّت من توافر عناصر الأمن الإقتصادي حتى بات العنصر البشري مهدّدًا وغير آمنًا في محيطه، خصوصّا وأن ذلك ما يشكّل عنصرًا مساعدًا لرفع معدّلات الجريمة وإلى تفاقم نسبة الإنحلال الإجتماعي. 

وزيادة على ذلك، فإن العالم قد دخل في دوامة ومرحلة "القصور الديمقراطي" على كافة الصعد والمستويات التي لطالما شكّلت مرتكزًا رئيسًا تعتمد عليها مبادىء الحرية والعدالة والمساواة بين الأمم والشعوب. فلا توزيع الثروات الطبيعية أضحت إحدى صيغ الديمقراطية الحقيقية لتغيب معها وبشكلٍ كلّي ثقافة الرفاهة الإقتصادية والإجتماعية عن المسرح الإنساني. كما ولا تبادل الثقافات أقتربت من تحقيق أهدافها لتشكّل إحدى صيغ حوار الحضارات فتُستحضر بدلًا منها ثقافة الهمجية والإرهاب والإذعان العنصري والطائفي. ولا التوزيع الوظيفي بات يعتمد على أسس الكفاءة وعلى العقول الإبداعية..، حتى أمست الديمقراطية وكأنها تذوي من عالم العقل لتستقر في غياهب النسيان.

إن الديمقراطيات في أزمة حادّة بعد أن تخطّت مفاهيمها وأُخرجت عن مبادئها الجوهرية، فأضحت على حافة الإحتضار تنتظر من يجروء على نعيِها في ظل ضبابية لدلائل تصوَّب بإتجاه إيجاد حلولٍ للمعضلات كافة.

وإن دلّت المدلولات الحسّية على هذا الإحتضار، فإنها تُستدل من مشاهدات عدّة، تُختصر بالآتي:

- العقوبات الإقتصادية التي تحدّ من حرية حركة التوظيفات الإستثمارية على صعيد التبادل الدولي، والتي تنعكس على تراجع في حركة الصادرات والواردات بين الدول، وبالتالي تراجع في معدّلات النمو الإقتصادي والنواتج المحلية الإجمالية.

- تفاقم الحال في تردّي أوضاع العمل وتراجع منسوبه، مما رفع من معدّلات البطالة التي عمّت معظم المجتمعات؛

- الصراعات الطبقية والتي أتت أقسى مما كانت حالها عليه في العصور القديمة والوسطى؛

- الفساد المستشري في النفوس والتي إنعكست في التطبيقات إن في السياسة أو في الإقتصاد؛

- إنحدار القيم الأخلاقية والإنسانية والتي أعادت المجتمعات إلى عهود إستعباد الإنسان لأخيه الإنسان؛

- القلق في عوامل التركّز الإقتصادي، إن من حروبٍ مقنّعة بين الدول للعملات والتذبذب الدائم في مصير أسعارها والتي تقوّض السياسات النقدية للدول فتهدّد معها حرية تركّز أسعار الفوائد، ومن ظواهر التضخّم في مستويات الأسعار والمخاطر على القدرة الشرائية، كذلك من العجز الدائم في موازين التجارة والمدفوعات وموازين التبادلات الإقتصادية والمعاملات الجارية، ناهيك عن موازنات بالإسم والشكل الظاهري على أنها وطنية، في حين أنها ومن حيث مضمونها ما هي إلا أرقام عشوائية تتراكم لتضيع معها غاياتها كخطة إقتصادية. هذا إضافة إلى تراكمات في المديونية العامة والتي تؤدّي إلى الوقوع في مصيدة الإرتهان القسري للمقرضين، فضلًا عن هروب الإستثمارات وتوظيفات رؤوس الأموال وبشكلٍ دائم وملحوظ وتنقّلها من مكان إلى آخر بحثًا عن ملاذات إستثمارية آمنة، في ظل ثقافة العقوبات الإقتصادية التي تؤثّر على حركية الإستثمارات بين الدول والذي أضحى أسلوبًا يتخطى الأعراف والقيم الإقتصادية... .

فالبناء للديمقراطية يتشابك ويتفاعل من جهته فيما بينه وبين مفاعيل الإقتصاد من جهةٍ أخرى وبشكلٍ طردي. ذلك أن المؤشر الحقيقي لقياس مستوى الديمقراطية الحقيقية في أيٍّ من البلدان عمومًا هو في الإشارة لما تظهره الإحصائيات العلمية للمستوى المعيشي والإقتصادي لمواطنيها، بحيث كلما تقدّم إرتفع منسوبها. وعلى حدّ تعبير المفكّر الإشتراكي كمال جنبلاط: "أنه يستحيل بناء ديمقراطية إجتماعية أو سياسية دون تثبيتها على قاعدة ديمقراطية إقتصادية، وأن عكس ذلك، مثاله مثال من يبدأ بإشادة المبنى من فوق..." .

وعلى خط مقابل، ما أشار إليه المفكّر الماركسي فريدريك إنجلز وبأفضل تعبيرٍ له حينما قال: "إن الكائنات، وقبل أي شيء آخر، تأكل وتشرب وتجد لها ملجأ وكساء، ثم تعود فتكرّس إنتباهها للسياسة والعِلم والفن والدِين". ليعود جنبلاط فيشير إلى أنه: "ومن غير الممكن تصوّر ديمقراطية تمدّ كافة رعايا الدولة بكل حاجاتهم الأساسية ما عدا حاجاتهم إلى الخبز والعمل".

فعلى من يدّعون الديمقراطية في ظل هكذا أنظمة رأسمالية إستندت على الفردانية (والتي أثبتت عقمها)، أن يتّعظوا من تجارب التاريخ ومنها تجربة الثورة الفرنسية عام 1789 والتي أدّت فردانيتها المفرطة إلى إشعال نار الثورية الغيريّة من نازية وفاشية كردّة فعل تجاه سلوكياتها الإنفرادية في إدارتها.

وفي هذا، ما يستحضر القول من أن الأنظمة الرأسمالية التي تمسك دفة سفينة العالم، فتسيّرها وبما تحلو لها أشرعتها ومصالح البورجوازية الشخصانية، بأن تتوقّع من أن تدّب روح الثورية الغيريّة مرة أخرى، وأن يخرج من رحم هذه الأزمات نظام يُستعاد معه ومن خلاله دورة التاريخ؟؟.

وعلى ضوء ما يشهده العالم في حاضرنا، هل يصحّ الإعتقاد أنه قد تمّت محاكمة الديمقراطية. وإننا في مرحلة الإنتظار لإصدار الحكم؟؟. وبالتالي، فهل على الشعوب أن تستجّر نظام بديل، أم تبحث لها عن عالمٍ آخر؟