عصر الأقزام

محمود الأحمدية |

منذ أسبوعين كنت مع العائلة في رحلة جميله أنهيناها بحضور مسرحية شجّعنا أصدقاؤنا على حضورها ... وكانت المفاجأة الممثل الرئيسي كان ينطنط، ويأتي بحركاتٍ ويحاول انتزاع الضحكة من القلب، وتبوء المحاولات الواحدة تِلْوَ الأُخرى [إلى لا شيء] وانتهت المسرحية ... وأنا غير مصدق. لا هدف، ولا مواقف تجبرك على أن تعيش أصغر التفاصيل فيها، ولا أشخاص يشبهونك، بل تنكيت وتهريج وحديث من الزنّار وبالنازل! والمأساة، ولعل الغريب أن أغلبهم قصار القامة، وإن فلت واحدٌ منهم وكان طويلاً، فالبلاهة والغمّ الواسع المتراخي عناوين لا تخطئ قلة الفهم، وحتى الهبل! 

عدنا إلى المنزل، ولشدّ ما كانت دهشتي عندما فتحت التلفاز، فإذ بأحد أقصر السياسييّن اللبنانيين يتكلم في مؤتمر صحافي. لا أتذكر إذا كان الحديث منقولاً مباشرةً على الهواء أم مسجلاً للأخبار، لكن المهم هو أن الضحالة التي لحقت بالحديث جملةً [وتفصيلاً] لم ترتق يوماً إلى مستوى وضع الحلول العملية.

ولا أدري لماذا طرأت على بالي فكرةً شبه مجنونة، وأستميحكم عذراً في هذا التعبير الذي ينسجم مع عصفورية لبنان الكبرى، وهو: هل هي موضة المقاسات الصغيرة في الرجال، والممثلين والمبدعين، وغير المبدعين؟؟ إنك لا تجد الآن في بريطانيا رجلاً في حجم ونستون تشرشل، ولا تجد في أميركا رجلاً في حجم فرانكلين روزفلت، ولا تجد في فرنسا رجلاً في حجم ديغول، كما لا تجد في روسيا رجلاً في حجم ستالين. هل السر في ذلك أن الأرض فقدت خصوبتها، أم أنها أصبحت تنتج عدداً أكثر من الأفراد المتوسطين والعاديين، وعدداً أقـل من النوابغ والعبـاقرة ورجالات الدولـة ؟؟ وهل أفضل للعالم أن يكون فيه مثل شارلي شابلن واحد، أم مئات من صغار ممثلي الكوميديا يضحكونك لحظة، ثم تنسى ضحكاتهم بعد ساعة، وأسماءهم بعد 24 ساعة. وهل أفضل للعالم فريدٌ واحد، وعبد الوهاب واحد، وأم كلثوم واحدة، ووديع، واحد، وفيروز واحدة، أم آلاف المطربين المطربات لا تفرق بينهم إلا بشعرهم المنكوش، وبآخر موضة يظهرون بها بعيداً عن الرجولة والفن والإبداع ؟...

بدأت الشعوب لا تميل إلى سيطرة الرجل الواحد في السياسة، وفي العلم، وفي الفن. فهي تفضل أن تنقسم العظمة بين عدة أشخاص على أن يحتكرها رجلٌ واحد . لقد ضاق الشعب البريطاني بعظمة ونستون تشرشل، فلم يتحملها بعد انتصاره في الحرب العالمية الثانية، وفضّل أن يعطي أصواته، للذين يتذكرون، لمستر أثلي، لأنه رجل عادي، وليس أطول قامة من أي بريطاني بينما كان المواطن العادي يحسّ بأنه قزم بجوار تشرشل العملاق! والشعب الفرنسي ضاق بفخامة الجنرال ديغول، وانتهز أول منحنى، وخرج عليه بالرغم من كل ما قدّمه لفرنسا، فكان أن قدم استقالته واعتزل السياسة! الناس تتعب عندما تقضي سنوات تتطلع إلى ما فوق رؤوسها! هل من أجل ذلك ترتاح للأقزام، وتضحك لسماجتهم، وتنتخبهم، وخاصة في لبنان الجميل ... هل أصبحنا كلنا أقزام، قصار القامة والعقل والرؤيا والحكمة والفهم؟؟ هذا هو سؤالي الأسود كظلام ليل وطني الحالك! 

هل أرادونا أقزاماً مثلهم حتى لا يظهر حجمهم الحقيقي! خذوني على قد عقلاتي!!