ندوة حول الإعلام في بيصور بمشاركة سلمان والخوري والريس: الوعي السياسي أولاً!

29 حزيران 2019 16:45:00 - آخر تحديث: 29 حزيران 2019 18:48:52

أقامت جمعية كمال جنبلاط الفكرية ندوة بعنوان "دور الاعلام: توعية وتثقيف أم حرية لا مسؤولية" في قاعة الرابطة الثقافية الرياضية، بيصور تحدث فيها رئيس تحرير جريدة "السفير" سابقاً طلال سلمان، الصحافي في جريدة "النهار" راجح الخوري، ورئيس تحرير جريدة "الأنباء" رامي الريس.

وحضر الندوة النائب السابق غازي العريضي، أعضاء مجلس قيادة الحزب التقدمي الإشتراكي خالد صعب، ياسر ملاعب وريما صليبا، مفوض الشؤون الإجتماعية خالد المهتار، مفوض الثقافة فوزي أبو ذياب، وكيل داخلية الغرب بلال جابر وأعضاء جهاز الوكالة والمعتمدين ومدراء الفروع، مأمور نفوس عاليه عماد أبو فرج، رئيس جمعية تجار عاليه سمير شهيب، رئيس جمعية كمال جنبلاط الفكرية وسام القاضي، رئيسة الرابطة الثقافية الرياضية المحامية سمر العريضي، السفير السابق عاصم جابر وعدد من رؤساء البلديات في المنطقة: عدنان العياش (بعورته)، نديم ملاعب (بيصور)، المهندس شادي يحيى (البنيه)، بالإضافة إلى حشد من الفعاليات التربوية والثقافية والإجتماعية والشبابية في منطقة الغرب والشحار.

إستهلت الندوة بالنشيد الوطني اللبناني، ثم ترحيب من عناية ابي فراج العريضي، وبعدها كانت كلمة الجمعية القاها عضو الهيئة الإدارية بهيج نصار ملاعب، فقال: "يأتي لقاؤنا اليوم في اطار النشاطات، التي تقوم بها جمعية كمال جنبلاط الفكرية من أجل رفع صرخة المواطن الحر، صرخة المواطن الذي يعاني الأمرين في دولة هي أشبه بالوطن وليست وطن. هي رسالة المعلم الشهيد، حملناها لأنها كانت وستبقى رسالة الانسان، رسالة الحرية والعدالة والمساواة".

أضاف: "ولأن لقاؤنا اليوم يتناول – دور الاعلام  توعية وتثقيف أم حرية لا مسؤولية، ونحن بأمس الحاجة الى اعلام موضوعي، يرتقي بالإنسان من الاعلام الضيق الى مستوى الاعلام الوطني، اعلام يلتزم مصلحة الفرد والمجتمع، ويدافع عن وجوده وقضاياه، اعلام يسلط الضوء على اي تقصير حكومي، او تقاعص نيابي، او مماطلة قضائية كيف لا وهو السلطة الرابعة، فعندما يعرض الاعلام الوقائع ويحللها ويبدي رأيه فيها يساهم بذلك في خلق رأي عام حر وفاعل، فمن حق الناس ان يكونوا على بيّنة من الامور التي تتعلق بوجودهم وتجيه آرائهم وخياراتهم".

تابع: "فالاعلام محرك الرأي العام يهدم العروش، يشعل الحروب، يهدد الامن القومي، او قد ينير الطريق أمام التغيير نحو الافضل، فحين يسلط الضوء على الحقائق، ويكشفها للرأي العام، انما ينزه بذلك الحياة العامة من الشوائب".

واشار الى ان "الموضوعية غائبة بسبب تجاذب الوسيلة الاعلامية بين مطرقة الاخلاقية الاعلامية من جهة، وسندان العائدات المالية من جهة أخرى، فالعائدات المالية هذه مرتبطة، ارتباطا وثيقا بعدد المتابعين لهذه الوسيلة وبالتالي بعدد المعلنين، مما يجعلها مقيدة ببعض المواقف التي تبعدها عن الموضوعية، هذا على المستوى الحياتي للناس، أما عن الدور الترفيهي- السوسيولوجي للاعلام، فنحن اليوم نعاصر كارثة اعلانية –دعائية، اخذت تسيطر على عقول الاجيال الناشئة، التي تنجرّ وراء مضمونها دون بصيرة وتفهم".

خاتما: "وعليه فاننا وبفضل قادة الفكر- ضيوفنا اليوم- وأمثالهم، نأمل ان نصل الى اعلام راق نزيه اكثر انسانية".

سلمان
أول المتحدثين، الصحافي طلال سلمان، فقال: "بداية التحية لهذه الجمعية التي تحمل اسم القائد الخالد كمال جنبلاط الذي سمحت لي الظروف أن اكون قريباً من مدرسته لأنني قضيت سنتين في تكميلية المختارة واكرمني زماني بان دعاني الى ترويقته صباح اكثر من سبت فاغتنيت ثقافة ومعرفة بالحياة.. هذا قبل ان تسعدني مهنتي بلقائه غير مرة والاستماع الى آرائه وتحليلاته العملية. ولا يمكنني ان اباشر الكلام قبل توجيه تحية خاصة الى احد رفاق العمر غازي العريضي، بلا القاب... وقبل تقبيل رأسي شريكي في هذا اللقاء الزميل العزيز راجح خوري ونجم الاعلام الحزبي الذي يعرف كيف يلبس لكل حالة لبوسها المناسب رامي الريس..".

اضاف: "من بؤس الحياة السياسية وقصورها عبر مؤسساتها الشرعية، أي الحكومة والمجلس النيابي والمؤسسات المتعددة والمتضاربة، سواء منها السياسية والتشريعية، ومن ثم الاحزاب والجمعيات التي تُعنى بهموم الناس، ان تُلقى اعباء اضافية على الاعلام، تتجاوز قدراته وشرعية دوره كمنبر ووسيلة ابلاغ وكشف مطالب الناس واحتياجاتها. لكن الاعلام، واساسا الصحافة باعتباري قد تشرفت بالانتماء اليها والعمل تحت رايتها لمدة تزيد على نصف قرن، فلا يمكن ان يتحول الى سلطة تنفيذية. انه قد يكون المبلّغ وقد يتجاوز دوره الى المحرض عبر النقد الموجه الى السلطة وتقصيرها.. ولكنه ليس بديلها، ولا يجوز ان يكون..".

تابع: "السؤال هنا، أين تبدأ حرية الصحافة واين تنتهي ان كان لها نهاية؟ الأساس ان تكون الصحافة، باعتبارها وسيلة إعلام واخبار وتثقيف عامة ان تحفظ استقلاليتها، فلا تكون مرتهنة لنظام، او لعدد من الانظمة، سواء بداعي الخوف، او بداعي المصلحة وتأمين اسباب الاستمرار والحصول على الاعلانات وهي بمعظمها تابعة لشركات ومؤسسات اجنبية كبرى ولها شروطها (السياسية حتماً) لنشر اعلاناتها في هذه الصحيفة او تلك..

وتوجه الى الحضور، بالقول: "وليسمح لي، هنا، ببعض الملاحظات الشخصية وهي ناتجة عن خبرة أكثر من نصف قرن، عملت خلالها في عدد من المؤسسات الصحافية المعروفة بينها مجلة "الحوادث" لمؤسسها الراحل سليم اللوزي، ثم في مجلة "الاحد" لصاحبها النقيب الراحل رياض طه التي كانت تصدر عن دار الكفاح العربي، ثم في "دار الصياد"، مدير تحرير الصياد ومراسلاً متجولاً في البلاد العربية.. كل ذلك قبل ان اتفرغ لإصدار "السفير" في 26 آذار "1974.

اضاف:" لقد حُوربت "السفير" التي جاءت من خارج السرب، معززة بخبرات مميزة حملها معهم زملاء من مصر ومن سوريا ومن فلسطين، في حين كانت الكتلة الكبرى من العاملين، محررين ومحررات من الشباب الطامح والمخلص والعارف او المتشوق لكي يتعلم كيف تكون الصحافة في خدمة الناس، وتستحق بالتالي التعب والسهر والتدقيق في الخبر ، والامانة في نقل الوقائع، والفصل بين الخبر والتعليق، فالأمانة هي الاساس في الخبر، بغير تهويل او تسخيره لأغراض المنتفعين، اما التعليق فهو رأي الكاتب ومن موجباته الاساسية ان يتحاشى الاسفاف والضغينة، وتسخير القلم لما ليس فيه نفع للناس".

واشار الى ان "الصحافة مخلوق سياسي، تصدر - مبدئيا – لهدف سياسي- اجتماعي- اقتصادي. ليست الصحيفة نشرة عن اخبار الطقس، ولا هي منشور حزبي، وشرط النجاح ان ينسى الصحافي نفسه، بانتمائه الطائفي او المذهبي، بولائه السياسي لمرجعية او قطب او حزب او هيئة".

وأردف قائلا: "ومع صعوبة ان ينسى الانسان موقفه من الحياة ومجرياتها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فواجبه ان يكبت عواطفه وهو ينقل مجريات الامور والتطورات بحيدة وموضوعية في الاخبار والتحليلات، على ان يعوض النقص في الافتتاحيات التي تحمل توقيعه، او في العنونة والكاريكاتور واختيار الصور مع مراعاة الجانب الفني، وكثيراً ما قالت الصورة ما يعجز القلم، المحايد، عن اعلانه. أما حين تدلهم الامور وينفخ في نار الحرب الاهلية، كما عشنا نصف عمرنا في "السفير"، ومثلنا سائر الزملاء في الصحف الاخرى، ويستحيل "الحياد" بالمعنى الحرفي، فواجب الصحافي الا يغيب وجهة النظر المضادة بمقاطعة مصادرها ومعاداة القيادات السياسية التي لها وجهة نظر مختلفة. وعلى سبيل المثال وليس المباهاة، فقد ذهبت "السفير" مثلاً الى الراحلين كميل شمعون وبيار الجميل وصائب سلام وكامل الاسعد، محاورة ومناقشة ونشرت حواراتهم المثيرة للجدل بمنتهى الامانة.. ونشرت، بعدها، مقالات نقدية او محاورات مع هؤلاء الاقطاب".

اضاف: "أما في القضايا القومية المقدسة، مثل فلسطين، فقد تصرفت "السفير" مع الخائن بصفته وموقعه الذي قدم من خلاله نفسه للناس.. ولم يكن ممكنا على سبيل المثال، ان نتعاطى بالموضوعية التقليدية مع وقف السادات حرب اكتوبر متخلياً في منتصفها عن شريكه السوري، او مع زيارته للقدس المحتلة ووقوفه امام الكنيست الاسرائيلي كداعية سلام، قبل ان يتم دفن الشهداء، متخلياً عن شريكه في الحرب (كما في السلم المزعوم) الرئيس السوري حافظ الاسد، مؤكدا "ليس للخيانة اسم يزور الجريمة او يطمسها، بذريعة الموضوعية. وليس انتخاب بشير الجميل رئيسا للجمهورية: في ظل بنادق المحتل الاسرائيلي، ومن ثم انتخاب امين الجميل ممارسة للديمقراطية بانتخابات شرعية".

وقال سلمان: "الصحافة رسالة، يقولون. والصحافة امانة. ومخطئ من يفترض ان القارئ مجرد متلقٍ بلا رأي وبلا موقف. وانا هنا اتحدث عن القارئ المسيس وليس عن هواة الرياضة او الذين يفضلون آخر صرعات الفنانين، مطربات ومطربين، او الكلمات المتقاطعة، على اخبار السياسة. ثم انها تكتسب اهمية استثنائية في محطات مواجهة الخطر على الوحدة الوطنية او على السلم الاهلي او في السكوت عن المظالم واحتقار الفقراء واهمال الاجراء، والقفز من فوق المؤامرة لتدمير التعليم الرسمي وتهميش جامعة الفقراء الجامعة الوطنية لحساب الجامعات الاجنبية او الجامعات الخاصة التي تنبت كالفطر وتجني الملايين من تجهيل الطلاب.. وتشريد الاساتذة المخلصين او اجبارهم على اختلاس بعض ساعات تعليمهم في الجامعة الوطنية مقابل ثلاثين من الفضة من الجامعات الخاصة او الاجنبية.

تابع: "لعلني قد خرجت عن العنوان الذي اعطيتموه لهذه الندوة. لكن الصحافة، بمعناها الاصلي، وأقله كما عشتها، رسالة، ومهمتها تنويرية والدفاع عن مصالح الناس، والتعبير، ما استطاعت عن وجدان الناس ومواقفهم من امور حياتهم، والمخاطر على مستقبلهم، واخطاء الحكم خصوصا والطبقة السياسية عموماً في حق الوطن وأهله. هكذا عرفتها، وهكذا مارستها، ونجاح "السفير" ورصيدها الممتاز عند الناس، داخل لبنان وفي الوطن العربي عموماً، يدل على اننا قد أدينا مهمتنا على أكمل وجه استطعنا- بقدراتنا المتواضعة- تحقيقه.

اضاف: "وأصدقكم القول انني اليوم، وبعد سنتين ونصف السنة من اقفال "السفير" لعجزي عن تحمل اعبائها، اشعر بالفخر حين يستقبلني الناس حيث حللت بترداد شعار "السفير": "صوت الذين لا صوت لهم. آسف لنبرة الحزن، وآسف أكثر لتحول هذه الكلمة الى رثاء لتجربة عمري التي لم يُقدَّر لها ان تعيش أكثر من ثلاث واربعين سنة".

وختم قائلا: شكرا للزملاء رفاقي في هذه الندوة، رفيق الاسفار الخائبة راجح خوري والمتحدث من غير ان يفتح فمه رامي الريس وان ظلت افكاره هدارة".

الخوري
بدوره، قال الخوري: "تحية من العقل والقلب الى معلم لا يتكرر، كمال جنبلاط الذي كان هرماً للمعرفة وشراعاً مبحراً في الفلسفة. وتحية الى وليد جنبلاط الزعيم الذي يرفع راية المعرفة والمتابعة في بلد او زمن لم يعد يهتم بالمعرفة ولا بالمتابعة. وتحية الى تيمور جنلاط الذي تقع عليه أثقال صون  ارث من الذهب في بلد يسرع الخطى الى التنك  والصدأ.  وتحية الى جمعيتكم المحترمة التي لا تزال تهتم بقضايا الفكر والمعرفة، وتحية طبعاً الى الحضور الكريم لتحمله مشقتين: اولاً لأنني سأطيل قليلاً، وثانياً لأنني سأقرأ عليه ما يشبه مرثية، لواقع يزداد بؤساً عن دور الاعلام في التوعية والتثقيف وصناعة المعرفة".

اضاف: "أسارع الى القول إذا كان عنوان هذه الندوة "دور الإعلام : توعية وتثقيف ام حرية لا مسؤولة"، فإن الإعلام في دوره كصانع للتوعية والتثقيف إنتهى ويتلاشى، وحلت في محله مجوعة واسعة من الوسائل التي لا علاقة لها لا بالحرية ولا بما تفرضه من المسؤولية". 

تابع: "أنعي اليكم ما كنا نسميه السلطة الرابعة، اي الإعلام الذي يصنع المعرفة ويسهم في تثقيف المواطنين وتوعيتهم، والذي حارب الفساد في مواجهة الإنظمة السياسية، وان كان بعضها هيمن عليه تمويلاً وتهويلاً، الى درجة أننا قرأنا ذات يوم مانشيت في صحيفة عربية يقول "امس عبر سمّوه خط الإستواء" فقد كان مسافراً الى قارة أخرى ليس إلا ". 

ولفت الى ان "دور الاعلام هو التوعية والتثقيف، من خلال تطبيق قاعدة محترمة، وهي ان معرفة الحقيقة حق للجميع، كان الإعلام المكتوب صحفاً وكتباً، لكن الصحف والكتب تفلّس اليوم، وإذاعة وتلفزة والإذاعات ومحطات التلفزيرن واقعة هي أيضاً في قبضة "الشبكة العنكبوتية" .

اضاف: "لم يعد الاعلام، لا في لبنان ولا في اي بلد من العالم صانع توعية وتثقيف، الإعلام في قبضة العنكبوت التقني السريع، الذي ينقل الغلط والصح ويفبرك ما يخدم غرضه ويرضيه، لا مكان للحقائق هنا، قيم الحرية والمساواة، وإحترام القوانين ونقل الحقائق بتجرد، وشرح التطورات والوقائع على كل المستويات السياسية والفنية والمسرحية، كل هذا من الماضي، الصدق والتجرد اللذان صنعا مجد الصحف والمجلات، ليس من قواعد الوسائل الإعلامية الجديدة، الاعلام في الزمن العنكوبتي هو ملء الرؤوس بما تستطيب الرؤوس دون التفات الى الحقائق".

وقال: "بات الاعلام عبر وسائله المعاصرة مساهماً اساسياً في حرية فوضوية غير مسؤولة وأحياناً غبية وحتى متآمرة، ومن الطبيعي ان يتدهور مستوى حسّ المسؤولية ومستوى الذوق الثقافي العام، وطغيان السطحية، وإنهيار الرابط الاجتماعي، وتغذية روح الفردية، اركز هنا على دور إنقطاع الحوار في تغذية الحس الفردي".

واشار الى ان "الإعلام في لبنان  كان زينة العالم العربي، مجموعة من الصحف الجادة والصحافيين المحترمين، محطات إذاعية وتلفزيونية جيدة، عدداً من من دور النشر المحترمة، وعدداً من المسارح الراقية والمسرحيين المثقفين"، سائلا: "كم مسرح في لبنان اليوم، ماذا بقي من الصحف اللبنانية؟". الإعلام في لبنان الآن هو أكثر من 762 موقعاً "إعلامياً"  تتناتش الخبر الواحد تتناقله فوراً وبسرعة تنقله عن التلفزيون، ينقله التلفزيون عنها، من أين مصدره ما هي حقيقته، من أين أتى هل حصل فعلاً، لا أحد  يدري؟

واعتبر ان "مع الإنترنت وطغيان وسائل الاتصال الجماعي، صارت الأنظمة «تفبرك» التزوير سلاحاً سياسياً، و«تفبرك» الكراهيات تسوية للحسابات، وبات كل مواطن يحمل هاتفاً ذكياً مخبراً ومصوراً ومعلقاً، وصارت قواعد تشكّل الرأي العام عرضة للغرضيات مثلاً، وأصبحت المعرفة العامة مصدراً للضرر أحياناً، بينما هي في الأساس مصدر للوعي والتقدم! ضاعت القواعد وتراجعت الأصول المهنية في تعميم الأخبار وصناعة الرأي العام في شرائح اجتماعية واسعة، حتى وسائل الإعلام المحترمة باتت تعاني من الإغراق الخبري الذي يختلط فيه الصحيح بالكاذب والصادق بالمغرض!".

اضاف: "منذ زمن دخلت الصحافة ووسائل الإعلام المقروءة، حقبة من الضيق والمتاعب ويبدو أن التلفزيون يسير الآن على طريق الصحف، اليوم "you tube" وغدًا العالم كله شاشة حاضرة حيثما تكون وكيفما تريد. 

وختم بالقول: "عندما جاء التلفزيون الى بيتي نسيت كيف أقرأ الكتب، وعندما جاءت السيارة الى باب منزلي نسيت كيف أمشي، وعندما صار عندي موبايل نسيت كيف أكتب الرسائل على الورق،  وعندما صار عندي كومبيوتر نسيت كيف أهجىء الكلمات، وعندما تعاملت مع البنك نسيت قيمة المال، وعندما إستعملت العطر نسيت رائحة الورد، ومع الديليفري نسيت كيف يطبخ الطعام… وأخيراً عندما صار عندي واتساب نسيت كيف أزور أهلي وأصدقائي... ومع الركض نسيت كيف أتوقف!

الريس

من جهته، قال الريس: "الشكر أولاً لجمعية كمال جنبلاط الفكرية التي تواظب على إقامة الأنشطة الثقافية والفكرية في زمن أصبحت فيه الثقافة تجارة والفكر عملة نادرة".

أضاف: "والتحية ثانياً لمن تحمل هذه الجمعية إسمه: المعلم الشهيد كمال جنبلاط الذي كتب في السياسة فأصلح، وكتب في الفلسفة فجدد، وكتب في الشعر فأبدع".

وتابع: "كمال جنبلاط ذاك المرجع في الأدب والفكر والسياسة والعلم، ذاك الذي نادى بالأخلاق في السياسة، ومارس الأخلاق في السياسة، ذاك الذي كانت رؤيته المستقبلية أوسع من أن يتحملها البلد بتركيبته التقليدية، وأفقه أعمق من أن يستوعبها البلد بتركيبته السطحية".

وقال الريس: "نعم، كم نفتقدك يا معلم! نفتقدك عندما نرى صغار اللاعبين وقد أصبحوا كبار التأثير. نفتقدك عندما نرى تجار الطائفية يصولون ويجولون في المناطق مطلقين سموم حقدهم وتفاهة  منطقهم".

وأكمل: "نفتقدك عندما نرى أن لبنان الذي ناديت بتطوير نظامه السياسي في البرنامج المرحلي للإصلاح السياسي سنة 1975 قد تراجع إلى الخلف بدل أن يتقدم إلى الامام. ولكن مع كل ذلك، لا نفقد الأمل، ولن نفقد الأمل".

وأكد الريس: "مع وليد جنبلاط وتيمور جنبلاط سنواصل المسيرة، مسيرة التغيير والحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية والإنسانية، مسيرة الغد الأفضل لجيل الشباب التائه مع تلاطم أمواج تحديات البطالة والهجرة والمخدارت".

وإعتبر الريس أن جلوسه "في حضرة أستاذين كبيرين من أساتذة الإعلام اللبناني الأستاذ طلال سلمان والأستاذ راجح الخوري، فهو شرف لي، وأنا الذي قادته الظروف إلى إمتهان مهنة المتاعب (وليس البحث عن المتاعب كما يقال عنها)، ولا زلت أعتبر نفسي مبتدئاً إلى جانب رئيس تحرير صحيفة عريقة إفتقدناها وترك غيابها أثراً بالغاً، مخلياً الساحة الإعلامية لكتبة التقارير وتجار الكلمة وأصحاب الأقلام المريضة والحاقدة؛ وإذا كنت من غير مؤيدي  نظرية التعميم لما فيها من تعمية، فإنني أقول أن قسماً كبيراً من اعلامنا اللبناني بات مريضاً بالأعراض التي ذكرت، إنما يبقى التقدير قائماً للأقلام الجريئة، كالأستاذ راجح الخوري، الذي يكتب يومياً ما يمليه عليه ضميره وعلمه ومعرفته وسعة ثقافته واطلاعه".

وتوجع بالتحية إلى "بلدة بيصور، أم الشهداء، التي تعني لنا الكثير في وجداننا "التقدمي" لما قدمته من تضحيات لا تقدر بثمن أيام الحرب السوداء المشؤومة، وأن أتوجه بتحية خاصة أيضاً إلى أستاذنا في الإعلام وأحد كبار المناضلين في الحزب التقدمي الإشتراكي الرفيق غازي العريضي الذي صدح صوته دفاعاً عن القضية في "صوت الجبل" بكثير من الشجاعة والجرأة والعنفوان وواصل مسيرته السياسية والنضالية إلى جانب الرئيس وليد جنبلاط في أحلك الظروف وأكثرها تعقيداً، فكان رجل المهمات الصعبة في الداخل والخارج". 

أضاف: "وأعبر أمامكم عن سرورنا في جريدة "الأنباء" لإستعادة "غازي" لغزاوته الصحافية شبه اليومية عبر الجريدة قارئاً وناقداً ومحللاً، وهي الجريدة التي لها مع بيصور والشحار والجبل محطات وفاء متبادلة منذ زمن بعيد وحتى يومنا هذا".

 

وقال الريس: "لقد شهدت أدوات العمل الإعلامي تحولاً ثورياً كبيراً خلال السنوات الماضية أتاحه بشكل دراماتيكي إقتحام وسائل التواصل الإجتماعي للمجتمع، وغزوها لفئات الشباب بالدرجة الأولى. ولقد بلغ هذا الاقتحام مبلغاً من القوة بحيث أصبح قادراً على إعادة صياغة دور الإعلام ومفاهيمه الرئيسية وتأثيره في المحيط سواءً أكان المحيط المحلي الضيق أم الرحاب الأوسع".

وإعتبر أنه "إذا كان ثمة سلبيات من هذا الغزو المعلوماتي للمجتمع لناحية تكريس حالة الإدمان الجماعي على الالتصاق بالهواتف النقالة والحد تالياً من التفاعل البشري المباشر وهي شكوى عارمة ستبقى دون علاج يذكر، إلا أنه لا بد من الاعتراف أن وسائل التواصل الإجتماعي أتاحت لكل مواطن أن يعبر عن رأيه السياسي، أو غير السياسي، مباشرة ودون وسيط، وهذا يفترض أن يكون حقاً مشروعاً ومتاحاً لأي مواطن في أي بقعة على الكرة الارضية".

وأكد أن "مصادرة الرأي والحريات العامة وإصدار الصحف الشمولية بالطريقة التي واظبت عليها الأنظمة الديكتاتورية انتهت، لا بل إن هذه الأساليب البالية مضموناً، أصبحت بالية -كمطلقيها- شكلاً ومضموناً!".

وإعتبر أنه "لعل هذا ما يفسر خوف تلك الأنظمة من "الانترنت" الذي كانت تسارع إلى قطع شبكاته عند إنطلاق التحركات خوفاً من سرعة إنتشار حالة الرفض وانكسار حاجز الخوف. ولكن لم يعد هذا ممكناً".

وأشار إلى إن "فكرة إنطلاق الثورات بالسيطرة على مبنى التلفزيون والإذاعة وتلاوة البيان رقم واحد إنتهت إلى غير رجعة، فالثورات صارت تنطلق من مكان آخر وتصل إلى أماكن أخرى".

وأردف قائلاً: "من وجهة نظري، إن عمق الإشكالية الإعلامية المتمثلة بممارسة الحرية اللامسؤولة (كما يشير عنوان الندوة) لا يزال على حاله ولو تبدلت أدوت العمل الإعلامي؛ ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الأدوات الحديثة سريعة الانتشار وبالتالي سريعة في إيقاع الضرر لا سيما عندما يكون الأخبار ملفقة ومغرضة وتهدف إلى التشويش على الوقائع وتشويه الحقائق".

وأكد الريس أن "الإعلام ليس وظيفة والإعلامي هو الباحث دوماً عن الحقيقة والساعي إلى كشفها وإطلاع الرأي العام عليها، حتى ولو اختلفنا على الحقيقة ومفهومها وكيفية مقاربتها".

وأشار إلى أن "لكل كلمة عند الإعلامي وقعها وتأثيرها ومفعولها، لذلك نحن بحاجة إلى رفع مستوى الوعي وإلى إعادة تنظيم المهنة وفق أسس وقواعد جديدة تراعي المتغيرات النوعية التي شاهدتها خلال السنوات المنصرمة".

وقال: "لقد أدرك رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط أهمية هذا الأمر، فنشر تغريدة عبر فيها على طريقته على دقة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فقال: "ان وسائل التواصل الاجتماعي اليوم قد يكون فيها ايجابيات لكن سلبياتها أكبر لذا قررت من الان وصاعداً استخدام الطرق التقليدية للاتصال وهي اضمن وأدق وتسمح للمراجعة والتفكير بعيدا عن التوتر والتوتر المضاد والسجالات المرهقة دون جدوى. لن انشر من الآن إلا مواقف عامة او بعض الصور." الرسالة واضحة: التروي ثم التروي ثم التروي".

وتساءل الريس: "هل من وصفة جاهزة لتثبيت الدور التوعوي والتثقيفي للإعلام على حساب الحرية اللامسؤولية؟ لا. للأسف. فكم من مواثيق شرف إعلامية وقعت من قبل الاعلاميين، ومزّقت عند أول منعطف طائفي أو مذهبي أو فئوي أو مصلحي؟".

وختم الريس "مع كمال جنبلاط، كما بدأت معه؛ "الشخص لا يمكن أن ينفصل عن المبدأ، ولا يمكن أن ينفصل المبدأ عن الشخص". لعلها العبارة التي تختصر كل موضوع هذه الندوة وما قد يليها من ندوات".