Advertise here

الملف السكاني في الدول العربية

26 تشرين الأول 2023 07:22:35

يعد العامل السكاني إحدى ركائز قوة الدول إلى جانب مساحة الدولة وموقعها وثرواتها الطبيعية. والتحولات الهائلة على المستوى الدولي أقرّت فرضية لا يمكن القفز فوقها، وهي قدرة السكان على التعامل مع التطور في مختلف المجالات، ومدى حصولهم على المهارات التي تمكنهم من الولوج في مسارات الإنتاج الحديثة، في المجالات كافة. وقد أكدت الدراسات والإحصاءات؛ أن تخلّف بعض المواطنين عن مواكبة الحداثة الإنتاجية، يجعلهم عبئاً على الدولة، ومصدر ضعف لها بدل أن يكونوا مصدر قوة. ومسارات الإنتاجية الحديثة لا تقتصر على الصناعة والتكنولوجيا الرقمية وقطاع الخدمات المالية والتسويقية؛ بل يشمل المجالات الأمنية والزراعية والحرفية ومهارات خدمة البنى التحتية، بما في ذلك القدرة على التعامل مع الملفات الصحية ومع خدمات النظافة والتنظيم الحضري.

د. ناصر زيدان

يعد العامل السكاني إحدى ركائز قوة الدول إلى جانب مساحة الدولة وموقعها وثرواتها الطبيعية. والتحولات الهائلة على المستوى الدولي أقرّت فرضية لا يمكن القفز فوقها، وهي قدرة السكان على التعامل مع التطور في مختلف المجالات، ومدى حصولهم على المهارات التي تمكنهم من الولوج في مسارات الإنتاج الحديثة، في المجالات كافة. وقد أكدت الدراسات والإحصاءات؛ أن تخلّف بعض المواطنين عن مواكبة الحداثة الإنتاجية، يجعلهم عبئاً على الدولة، ومصدر ضعف لها بدل أن يكونوا مصدر قوة. ومسارات الإنتاجية الحديثة لا تقتصر على الصناعة والتكنولوجيا الرقمية وقطاع الخدمات المالية والتسويقية؛ بل يشمل المجالات الأمنية والزراعية والحرفية ومهارات خدمة البنى التحتية، بما في ذلك القدرة على التعامل مع الملفات الصحية ومع خدمات النظافة والتنظيم الحضري.

تبلغ مساحة الدول العربية 13,1 مليون كلم مربع، أي ما يقارب من 10 في المئة من مساحة اليابسة، بينما لا يصل عدد السكان فيها إلى 468 مليون نسمة (وفق إحصاءات مراجع متقاطعة) أي ما يقل عن 5 في المئة من العدد الإجمالي لسكان العالم، والذي وصل إلى 8 مليارات نسمة في منتصف عام 2023. كما أن التوزيع الداخلي للسكان العرب ليس متوازناً من حيث الانتشار الجغرافي، فبينما يزيد عدد سكان مصر على 107 ملايين، لا يتجاوز سكان دولة جزر القمر عن 800 ألف نسمة.

والهجرة السكانية العربية إلى دول أكثر تطوراً، أو أكثر أمناً؛ من الأعلى على مستوى العالم، على الرغم من وجود الإمكانيات الاقتصادية الكبيرة في الدول العربية، كما توجد مساحات شاسعة قادرة على استيعاب أعداد السكان، وتوفير سُبل العيش الكريم لهم. وهذه الهجرة في تزايد واضح في المرحلة الراهنة، خصوصاً من دول شمال إفريقيا ومن سوريا ولبنان وفلسطين باتجاه أستراليا وكندا وأوروبا. ووراء أسباب هذا النزوح مجموعة من العوامل؛ أهمها التراجع في مستوى الدخل وعدم وجود فرص عمل، إضافة إلى الأسباب السياسية والأمنية.

في المقابل؛ فإن الوطن العربي يعد من الأماكن الأكثر جذباً لليد العاملة الأجنبية، لاسيما إلى الدول التي تتمتع بالاستقرار، وهناك مساحات زراعية عربية شاسعة قادرة على استيعاب العدد الهائل من اليد العاملة فيما لو تم استثمارها.

يتزايد عدد السكان في الدول العربية بنسبة 3 % سنوياً بينما الزيادة العالمية تقدّر ب 1,2 %، وسكان العالم مُقدر أن يصل إلى 9,2 مليار نسمة عام 2030، ونسبة النمو الاقتصادي الإجمالي في الوطن العربي تقدر ب 6,4 % بينما تقديرات النمو العالمي لا تزيد على 5,6 % لعام 2023، لكن المفارقة اللافتة؛ أن نسبة البطالة العالمية لا تتجاوز 5,8 %، بينما البطالة العربية الإجمالية قد تزيد على 10,7 %، وهذا يطرح تساؤلات عن الاختلال الكبير الذي تعيشه بعض الدول العربية لناحية عدم قدرتها على استيعاب التطور السكاني.

لا يمكن فرض مقاربة تشاؤمية حول التزايد السكاني في الدول العربية، ذلك أن الواقع العربي قادر على التعامل مع هذه الزيادة والاستفادة منها في مجالات متعددة، لاسيما في المجال الأمني، لأن التهديدات التي تواجه الوطن العربي كبيرة، وتحتاج إلى إمكانيات بشرية ومادية كبيرة أيضاً، لكن التحديات الناتجة عن زيادة عدد السكان، تفرض اعتماد مقاربات متناسبة، ومختلفة عن المقاربات الحالية.

تحتاج غالبية الدول العربية إلى إدارة رشيدة، وإلى استقرار سياسي وأمني، كما تحتاج إلى مزيد من التضامن فيما بينها بما يخدم التطور الاقتصادي والاجتماعي وردع التدخلات الخارجية.