التعليم الثانوي الرسمي: قلادة وطنية

وهبي أبو فاعور |

لم يكن التعليم الرسمي في المرحلة الثانوية متيسراً لأبناء الأرياف كافة إلا في أوائل ستينيات القرن الماضي مع وزير التربية حينها المرحوم كمال جنبلاط، قبلها لم يكن عدد الثانويات الرسمية ليتجاوز أصابع اليدين في كل لبنان وقُيض يومها لهذا التعليم نخبة من الشرفاء يتولون إدارته فسميت أكثر الثانويات بأسمائهم فثانوية الزعتري في صيدا وسُعَيد في فرن الشباك وفؤاد سليم في برج البراجنة ومحي الدين البواب في الطريق الجديدة وهاني أبوالحسن في بعقلين إلى مديرين لمعت أسماؤهم في زحلة وطرابلس، فكان هؤلاء يتحملون بإيباءٍ وكبرياء وتضحية مهام ثانوياتهم ويتعاملون معها وكأنها مدارس خاصة لهم ولا أنسى يوماً سنة 1961 وصلنا باكراً إلى ثانوية صيدا الرسمية في عين الحلوة بعد رحلة ساعتين في البوسطة أن نتصبّح بإدارييها الثلاثة مصطفى الزعتري وحليم مجدلاني ولبيب عبدالساتر يستقبلوننا تحضيراً لإمتحان الفصل الأول في السابعة صباحاً !!!

كان التعليم الثانوي الرسمي واسطة العقد المتلألئ بين التعليم الأساسي الوطني الذي أنقذه روّاده من براثن الدكاكين التجارية والأقساط العالية في المدارس الراقية والإرتقاء بثانوياتنا وصولاً إلى الجامعة اللبنانية يبنيها أبناء الفقراء حجراً حجراً فكانت الحقوق منارة للتشريع وأعادت إلى بيروت وهجها الحضاري إضافةً إلى كلية العلوم مع العميد الأحمر حسن مشرفية وسواه من العمداء المجاهدين من أجل الترقي والتقدّم في الكليات الجامعية اللبنانية الأخرى.

على ما أذكر كان إعداد المعلمين يتم عبر مصلحةٍ لإعداد المعلّمين في وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة وذلك في دور المعلمين الإبتدائية وما كان يعرف قديماً بدار المعلمين العليا التي سميت لاحقاً كلية التربية.

لم تكن حينها الإجازات التعليمية متوفرة بل كانت الإجازات الجامعية هي الغالبة فالصيادلة كانوا أساتذة الكيمياء والمهندسون أساتذة للفيزياء والرياضيات ومثلهم المحامون يدرّسون مواد الإجتماعيات ولا أنسى في هذا المجال في ثانويتي الأولى الزعترية في صيدا الصيدلي هيكتور سبعلي والمحاميين بشارة نمور وجورج غنطوس والمهندس فؤاد منصور وغيرهم.

هذا التعليم الثانوي الرسمي حقق موقعاً متقدّماً وما يزال وخاصة بعد الأفواج المتعاقبة من خريجي كلية التربية في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وزاحم في نجاحاته الثانويات الخاصة التي كان يرتادها أبناء منطقتنا من الداوودية إلى الجامعة الوطنية والمعهد العربي والمقاصد الإسلامية والمدرسة العلمية الحديثة.

كانت الثانويات قبل التفريع مصهراً وطنياً للطلاب اللبنانيين حيث الدوام اليومي النهاري حتى الرابعة عصراً.

فكان الطلاب يأتون بلا طوائفهم يتركون مذاهبهم في بيوتهم وقراهم ففي صيدا كنّا طلاباً من حاصبيا ومرجعيون وحدّاثا الجنوبية وصور وجزين والغازية والرملية نتلاقى على دروب الوطنية والكرامة، والصداقة تهدم كل الحواجز المقيتة التي تنتصب أمام أبنائنا اليوم، أما في ثانوية مرجعيون الرسمية زمن العزيز فايز غلمية فكان طلابنا وما أروعهم من حولا إلى القليعة والخيام وحاصبيا وشبعا يلتقون على قاعدة الإنتماء الوطني والحوار والإعتراف بالآخر والتنافس لخدمة وحدة البلد وتطويره والإرتقاء به إلى مصاف الدول المتقدمة.

حبذا لو تؤرّخ هذه المرحلة التأسيسية للتعليم الثانوي الرسمي وأظن أنّ الزميلة سناء البواب قادرة على ذلك لما تكتنزه من إرثٍ ثانوي في جهدها وجهد المرحوم والدها.

فإلى أساتذة الثانويات الرسمية المنتشرة كنجوم الصبح في أرجاء الوطن.. تحيةً لدوركم وريادتكم ومساهمتكم الفاعلة واللامعة في التقدّم التعليمي وفتح أبواب الحضارة والتقنية أمام أبناء الطبقة الوسطى يقرعون أبواب الدنيا بتعبكم وجهدكم وصبركم وعلى همتكم خدمة لوطن الآباء والأجداد.