"إما نحن وإما هم"... قاعدةٌ لحرب إعلامية

20 تشرين الأول 2023 08:09:05

كيف يكون «خروج الأوضاع عن السيطرة» في المنطقة بفعل الحرب الدائرة على أراضي فلسطين المحتلة، إذا لم تُصنّف مجزرة مستشفى الأهلي المعمداني على أنّها بالحدّ الأدنى كذلك؟

ألا تعني تلك المجزرة، على الرغم من تشكيك الغرب بحصولها، وبأنّ إسرائيل هي التي نفّذتها، خروجاً للأمور عن السيطرة، كونها إحدى وقائع المواجهة العسكرية، والتي ينتظر أن تجرّ إلى أحداث أخرى تكون خارج السيطرة؟

تخضع وقائع ما حصل في مستشفى الأهلي المعمداني في غزّة لمنطق الحرب الإعلامية لكسب الرأي العام، التي توازي الحرب العسكرية والأمنية في شدّتها ودمويّتها، وربّما تفوقها بشاعة، لأنّ هدفها، من جهة الدول الغربية المتمسّكة بـ»حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، إعادة تشكيل الرأي العام العالمي بشكل أعمى إلى جانب الدولة العبرية، لتبرير اندفاعها المجنون ضد الفلسطينيين. ومع افتراض صحّة قيام الإعلام الغربي بالتدقيق في ارتكابات مقاتلي «حماس» وسائر الفصائل الفلسطينية التي شاركت في اقتحام غلاف غزة ضد المدنيين الإسرائيليين، وإمكان حصول مبالغة في أرقام الضحايا الفلسطينيين، تنطلق الحرب الإعلامية من جهة الدول الغربية من «كلمة سر» يلمسها الدبلوماسيون العرب وبعض الأجانب في عواصم القرار تعمل على أساسها وسائل الإعلام وتقضي بتمهيد الطريق لقرار بـ»اقتلاع حماس» و»اجتثاث حماس» و»القضاء على حماس».

هي العبارات التي استخدمها القادة الإسرائيليون بعد الصدمة من عملية «طوفان الأقصى»، التي وضعت إسرائيل أمام إشكالية اهتزاز صورتها الردعية أمام الفلسطينيين والعرب. ليست المرة الأولى التي تتصرّف فيها القيادة الإسرائيلية، مذعورة من نجاح المقاتل الفلسطيني في اختراق أمنها الحديدي، فتعتمد النظرية البشعة بأنّه «يجب أن نقتل منهم أكثر بأضعاف ممّا قتلوا منا حتى يرتدعوا». وهذا أشبه بحلقة مفرغة من العنف لا تتوقّف عن الدوران، ما دام الفلسطينيون تحت الاحتلال. ولطالما اعتبر الغرب ضمناً وبدم بارد، أنّ حصد المدنيين النتائج الكارثية هو من «الأضرار الجانبية» (collateral damage).

كافة المجازر التي ارتكبتها تل أبيب أعقبها تبرّؤٌ منها ورميٌ للمسؤولية عنها على الطرف الآخر. ألم يختبر اللبنانيون هذا النوع من السيناريوات الهادفة لتشتيت الأنظار عن مسؤولية إسرائيل عن مجزرتي قانا (1996 ثم 2006)، حين قالت إسرائيل إنّ الملجأ الذي كان فيه المدنيون الجنوبيون استخدم لإطلاق قذائف ضدها؟ وهو ما عادت الأمم المتّحدة فكذّبته. هذا مثل واحد من عشرات الأمثلة عن محاولات التعمية على المجازر الإسرائيلية في لبنان وفلسطين.

طالما أنّ آلة العنف الوحشي الإسرائيلية حصلت على إجازة كاملة من دول الغرب، تحت الشعار الذي يردّده قادة الغرب كافة، بـ»تأييد حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها» ليس هناك ما يحول دون ارتكاباتها. وحين يتم استخدام هذا الحق من أجل التسبّب في حصد الأبرياء، ثم يجري اتهام الضحية بارتكاب الفعل الشنيع، لتحييد التهمة عن الفاعل، يمكن توقّع كل شيء.

وحين تقتضي المصالح والسياسات الدولية ذلك يصبح ما يحصل خارج المألوف وتبدو الأحداث تحت السيطرة الكاملة، ويتطلّب الأمر مجرد إدانة لفظية لقتل أطفال ونساء ومرضى في مستشفى. التفويض الدولي والغربي نفسه، الذي أعطي لإسرائيل منذ عقدين بمحاصرة غزة وتجويعها وإذلال كبارها وصغارها، يتجدّد مع ما يجري الآن.

يتمّ التمويه على هذا التفويض كالعادة من قبل إسرائيل باتهام جهة فلسطينية بأنّها تقف خلف قصف المستشفى. ويحمل ذلك رئيس الولايات المتحدة جو بايدن على القول «يبدو». الحملة الإعلامية الغربية ولا سيّما الأميركية اعتمدت هذه الرواية، خلافاً لمرات سابقة لم تتردّد في قول الحقيقة بأن إسرائيل هي من ارتكب الفعل. فالتهديد الفعلي الذي شكّلته عملية «طوفان الأقصى» لأمن إسرائيل يدفع الدول الغربية إلى القيام بالعكس.

ثمة من يرى أنه جرى تضخيم الأفعال التي ارتكبتها «حماس» وبعض الفصائل التي شاركتها في عملية «طوفان الأقصى»، ضد المدنيين الإسرائيليين، من أجل تبرير قيام الجانب الإسرائيلي، بأفعال تفوق ما جرى عند اقتحام هذه الفصائل غلاف غزة ولتأديب الفلسطينيين بشكل جماعي، أولاً، ودفعهم إلى الهجرة خوفاً ورعباً وترهيباً. بعد الصدمة النفسية لدى المسؤولين والعقل الجماعي الإسرائيلي جراء نجاح «حماس» في اختراق الحواجز الإسرائيلية واختطاف العديد من الجنود والمدنيين، غلبت الرغبة في الانتقام العنيف لدى المجتمع الإسرائيلي بسواده الأعظم، بحيث باتت القناعة السائدة لديه، ولدى مناصري إسرائيل الأشدّاء في الخارج: «إما نحن وإما هم».