Advertise here

الملف الرئاسي اللبناني طيّ النسيان

17 تشرين الأول 2023 07:32:55

ساهمت التطورات السياسية والأمنية الأخيرة في تجميد المساعي التي كانت تُبذل لإيجاد مخرج للمأزق الذي يتخبط فيه الملف الرئاسي في لبنان. وموقع رئاسة الجمهورية شاغر منذ عام، بينما أغلبية المؤسسات الدستورية معطلة، وهي في حالة تصريف أعمال، أو أنها تدار بالوكالة من قبل أشخاص ليسوا أصيلين في المواقع التي يتولون إدارتها..

لكن الأخطر من كل ذلك؛ هو اقتراب موعد إحالة قائد الجيش العماد جوزيف عون، إلى التقاعد مطلع العام المقبل، بينما مركز رئيس الأركان شاغر منذ شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ورئيس الأركان هو الوحيد الذي يحق له تولي مركز قائد الجيش بالوكالة، وفقاً لقانون الدفاع الوطني.

تجميد الملف الرئاسي جاء بعد أن أخفق المبعوث الفرنسي وزير الخارجية الأسبق، إيف لودريان، في الوصول إلى تسوية بين الأطراف اللبنانية المتقابلة، وهو كان تخلّى عن الاقتراح السابق الذي كان يقضي بانتخاب مرشح قوى الثنائي الشيعي النائب السابق سليمان فرنجية، مقابل الاتفاق على تسمية رئيس حكومة محسوب على قوى المعارضة، وهو السفير السابق والقاضي في المحكمة الدولية، نواف سلام. لكن الاقتراح الجديد الذي أعلن عنه لودريان في زيارته الأخيرة لبيروت في منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي، والقاضي باعتماد خيار ثالث لشخصية يمكن انتخابها من بين عدة أسماء وسطية مطروحة؛ لم يرَ النور أيضاً، ويبدو أن الاجتماع الذي عُقد على هامش سنوية الهيئة العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بين ممثلين عن اللجنة العربية والدولية التي تتابع الوضع اللبناني؛ لم يخلص إلى توافق على رؤية واحدة، وقيل إن تبايناً حصل بين الموقفين الأمريكي والفرنسي أفضى إلى تكليف قطر بالقيام بمساع توفيقية.

الموفد القطري الذي زار بيروت مطلع أكتوبر/ تشرين الأول، ناقش مع كل الأطراف في لبنان الملف الرئاسي، وكان يسأل في اجتماعاته المتتالية مع الأحزاب اللبنانية عن رأيهم في ترشيح قائد الجيش العماد جوزيف عون للمنصب، لكنه لم يأخذ جواباً قاطعاً من أغلبيتهم، ومن الواضح أن الفريق الذي رشح سليمان فرنجية لم يتخلّ بعد عن ترشيحه، بينما أبدى الفريق الآخر – باستثناء التيار الوطني الحر – مرونة في هذا الاتجاه.

كان من المتوقع أن تفرض الأزمة اللبنانية المتفاقمة، في المجالات الأمنية والمالية والاقتصادية، نفسها على الاستحقاق الرئاسي، وتساهم في تقريب المسافة بين الفرقاء المتباعدين، لكن الواضح أن ذلك لم يحصل، بل على العكس؛ فقد أشارت قيادات مؤثرة إلى أن موضوع انتخاب رئيس جديد للجمهورية تمّ تجميده، والأحداث المتسارعة أبعدته عن أولويات المهتمين، في الداخل وفي الخارج.

ومن الصعوبة بمكان توقّع خرق داخلي يؤدي إلى اتفاق على انتخاب رئيس، والأطراف الخارجية التي كانت تقوم بمساعٍ توفيقية؛ انشغلت بملفات مستجدة أكثر خطورة. لكن الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية في لبنان ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه، وعلى العكس من ذلك؛ فليس هناك تشكيل حكومة جديدة من دونه، كما لا يمكن إجراء أي تبديل في حقائب الوزراء، وهناك قوى أساسية – خصوصاً من المسيحيين – تعتبر أنه لا يجوز لمجلس النواب أن يقوم بأعمال تشريعية في ظل عدم وجود رئيس للجمهورية، لأن المجلس في هذه الحالة يجب أن ينتخب رئيساً قبل الشروع بأي عمل آخر، وفقاً لما جاء في الدستور، بينما الدستور لا يفرض على النواب إلزامية حضور جلسة انتخاب الرئيس التي تحتاج لوجود ثلثي الأعضاء، ما يسهّل عملية تعطيل النصاب.

وبعض الوزراء المحسوبين على الشركاء المسيحيين يرفضون حضور جلسات حكومة تصريف الأعمال، بالحجة نفسها، ويعتبرون أن القرارات التي تتخذها الحكومة بغياب رئيس الجمهورية لا تتمتع بمشروعية كافية، رغم أن هيئة القضايا في وزارة العدل اعتبرت أنه يجوز لحكومة تصريف الأعمال، بأغلبية ثلثي الوزراء، أن تقوم بمهام رئيس الجمهورية في حالة شغور المركز، كما أكد ذلك الدستور.

لا يمكن المراهنة على قرب ظهور مبادرات خارجية جديدة تُساهم في تقريب وجهات نظر القوى اللبنانية المختلفة حول الملف الرئاسي، ولا يبدو أن الأطراف الفاعلة على عجلة من أمرها للإسراع في إنهاء الشغور؛ بعضها ربما بتأثيرات خارجية، وبعضها ربما لحسابات محلية، أو ذاتية، لكن كلفة هذه الحسابات التي تُطيل من زمن الشغور باهظة جداً على لبنان، وربما تهدد مستقبل الكيان برمته.