أخويّة الظل

د. قصي الحسين |

ينضم وزير "نواب اللقاء التشاوري السنة الستة" أخيراً، إلى "أخوية الظل": مجموعة الأحزاب السياسية، ومجموعة النقابات والأندية والأقبية والمحاور والتكتلات والكتل وسائر أنواع مجموعات الضغط الأخرى. بالإضافة إلى مجموعة قوى الدعم الطائفية والمذهبية، لمجموعتي، 8 و14 آذار، أو ما تبقى منهما على قيد الحياة، بعد الخريف العربي واختلاط الحابل بالنابل. وبالإضافة أيضا إلى قوى الإرث السوري الطاعن، وإرث الربيع العربي بخيوله وفلوله وفصائله وهزائمه. ناهيك عن جماعات الموالاة وعن جماعات المعارضة، وعن جماعة "جماعة غب الطلب" للأجهزة والسفارات التي تحفر جميعها في الساحة اللبنانية أنفاقها منذ تأسيس الجمهورية، وعبر محطاتها التاريخية التي عبرتها. وعبر الثورات والمظاهرات والانتفاضات التي عرفتها. وعبر القوى التي استضافتها، وردحت لها ردحاً من الزمن، ليس بالقليل. ينضم أخيراً، وزير نواب كتلة اللقاء التشاوري السنة الستة، إلى "أخوية الظل" هذه، على قاعدة من الديمقراطية التوافقية التي رست عليها "الصيغة اللبنانية". يعبر جميع الأنفاق والدهاليز الجسيمة كلها بتؤدة. لا يريد أن يشعر به أحد، كما العدنان. لا من أين مأتاه، ولا إلى أين اتجاهه ولا من أين مهربه. ودون أن يعين أو يعاين مربط خيله، أو جواده. هو ينضم فقط إلى "أخوية الظل"، فقط وبكل بساطة، لهدف وطني نبيل، مبعثه الأمل ومعقده الرجاء، حتى تستقيم الصيغة. إنه إذا بهذا المعنى، نقطة ارتكاز الصيغة. صيغة لبنانية تأسيسية دهرية وتاريخية شهيرة، تقوم على "صوص ونقطة"، من منا لا يعرفها. صنعت صناعة بدهاء صناعة الصيغة.

ويجب أن يكون إذا من صياغة مكوناتها: صياغة توافق الديمقراطية التوافقية التي بصمت على المكونات الأساسية. ومثلما الوطن بمجموعاته. ومثلما الوطن بمكوناته. ومثلما الوطن بأعجاز نخله وبعجائزه. ومثلما الوطن بدسته وأحجاره، فهو أيضاً بصياغة صيغته هذه، اليوم بخط رقيم. هذه  الصيغة التي يجب أن تكون في الحفظ والصون، دون تبرّم أو شكاية، ودون اعتراض من أحد. وإلا فكل اعتراض في هذه  الهنيهات الدقيقة والأخيرة من حبس أنفاس الوطن، ومن ساعته، ومن ساعة التشكيل، ومن ساعة التأخير، إنما هو شكل من أشكال النسيء، الذي هو الكفر بعينه، أو ما ينحو نحوه، من أشكال الخيانة أو العداوة أو العدوان. ولا بأس أن نعيش في وطن يموت فيه كل دقيقة، طفل لا يتجاوز سن العاشرة من الجوع أم من مرض مرتبط به، على أبواب المستشفيات. ولو غرقت القصور بالثروات. ولو غمرت سيول الخيرات، أرض البلاطات. ولا بأس أن نعيش الفساد عينه. ولا بأس أن يكون الهواء فاسداً غير صالح بالحد الأدنى للتنفس، في مداخن وعوادم المولدات والموتورات والمعامل والشاحنات والسيارات. سحب من السموم تغطي السماوات والقبوات على حد سواء، دون أن يهتز لنا خاطر، ودون أن نشعر أقله، بذنب أو خزي أو عار. هواء فاسد غير صالح للتنفس، لتشبعه بالمواد السامة من معامل كبار القوم. ولا بأس أن يلوث النهر من منابعه. وتتسرب سمومه إلى الطبقات الجوفية من الأرض. بل لا بأس بأنهر مسممة بنفايات المعامل، للأطفال قبل الشيوخ والعجز والناس. ولا بأس من سحق الفقير حتى الموت. ولا بأس بالحرب على الجميع، حتى يتسنى لأكلة المال الحرام، في الطاقات والصناديق والشبابيك والخزائن، فيملأون الجفان والقصاع والحواصيل والحواسيب بالذهب والفضة وبالأرقام الخيالية، وفق مبدأ واحد عظيم: هو تعظيم الربح ولو من ذهب أسنان الموتى. ولو من عظام أكتاف الفقراء والأرامل والأيامى والثكالى واليتامى، والمساكين.
 
لا بأس أن ينجح المسؤولون في "أخوية الظل"، وأن ينجح قادتهم الأقربون والأبعدون، في الهرب من جميع أشكال المراقبة الدولتية والنقابية والبرلمانية. لا بأس أن تسيطر شركاتهم على المسارات كلها، لتضخيم ربحها وتعظيمه في أقصر وقت ممكن. لا بأس أن يزداد المسؤولون ثراء، في كهوف "أخوية الظل" التي تحدث عنها أفلاطون، ولو أزداد الفقير فقراً، تحت عتبة الوطن الثقيلة على عنقه، وبين مدافنه ومداخنه ومواقده الكثيرة، التي لا تعد ولا تحصى. لا بأس أن نشهد عند أخبية "أخوية الظل"، اختفاء حس الخير المشترك، وموت القطاع العام والمصلحة العامة، لتفرغ المواطن من مواطنيته حتى آخر أنفاسه، وتصبح "الصيغة اللبنانية السقيمة"، سلاح إخضاع لقطعان الناس وقطائعهم وإقطاعاتهم. وتعلن قدرية توافقية، تبدو كل مقاومة لها، مقاومة للمقاومة. تصبح الصيغة نظاماً، يدمر نظام المواطنية للضحايا. مع كل تاريخ للانتخابات والتشكيلات والتعيينات للنواطير ومأموري الأحراش، ينصرف "أخوة الظل" كالسنانير لتقاسم الجبنة. بل لتقاسم الصبي، بل لتقاسم الوطن والمواطن. وتعمم سياسة التحالفات من تحت الطاولة ومن فوقها، بين الأسياد والقوى والقادة والرؤساء والجماعات والتجمعات والتجار والإقطاع وأصحاب الرساميل، وأهل السوق والسوَقة معاً، دون أن يظهر انتصار سياسي، أو أيديولوجي أو اقتصادي. مع كل تاريخ من هذه  التواريخ السقيمة والعديمة والمميتة والكريهة، تنتصر فقط أخلاقيات نهب المال العام، ونهب الثروات الطبيعية للبلاد، وثروات أعمار الفقراء وأتعابهم، وأجسادهم الهزيلة وظهورهم المقوّسة وأيديهم النحيلة ووجوههم السائمة. انتصار مرذول هو هذا الانتصار. إنه ثمرة التحالفات والتكاتفات الضامنة للأسواق والاحتكارات وجني الأرباح الطائلة وتهريب المال من الخزينة العامة، إلى خزائن وجيوب الساهرين عليها. فقط لهؤلاء جميعاً نقول، ووزير اللقاء التشاوري من النواب السنة الستة، في طريقه، ولو بلا حقيبة، للانضمام إلى "أخوية الظل": إن عليه أن يتذكر قول إيمانويل كانط: "إن اللاإنسانية المسلطة على شخص آخر، تدمر إنسانيتي في الوقت عينه". ونحن اليوم أمام دافع تضامني نشهد لحياة الوطن لا عليه، لما يجعلنا نرى، أننا أمام كبوة جواد. فلا وثبة ولا ما يحزنون، ولو في أول الطريق.
 
*أستاذ في الجامعة اللبنانية