"نادي القضاة" في دائرة الإستهداف

07 تشرين الأول 2023 07:31:28

مسلسل كمّ الأفواه في مرفق العدالة مستمرّ. فبعد تقييد حرية المحامين في آذار الماضي - وما رافقه من ملاحقات لإعلاميين وأساتذة وممثّلين وسواهم، كما ضرْب وقمْع محاولات التظاهر في أكثر من مناسبة - ها هو القضاء يُستهدف مجدّداً من داخل البيت الواحد. نتحدّث عن مثول أعضاء الهيئة الإدارية لنادي القضاة الأربعاء الماضي أمام هيئة التفتيش القضائي، بناء لشكوى مقدَّمة من وزير العدل، هنري خوري. والخلفية؟ البيانات الإعلامية الصادرة عن النادي ومشارَكة رئيسه في برنامج تلفزيوني.

«خرْق لموجب التحفّظ وينمّ عن تسييس معيّن». بهذه الكلمات وصف وزير العدل ممارسات نادي القضاة. فالأخير انتقد في بيانه الصادر في 29 أيلول المذكّرة التي أصدرها الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في بيروت، القاضي حبيب رزق الله، والتي كلّف بموجبها قاضيَين للحلول محلّ أحد قضاة محكمة الجنايات والقاضي شربل أبو سمرا الذي سيتقاعد بعد أيام. النادي اعتبر القرار انتدابياً تغلب عليه الشخصنة والانتقائية والمزاجية الكيدية كونه يخرق مبدأ وجوب حلول القاضي الأعلى درجة أو الأكبر سنّاً. وجاء ذلك بعد إصدار وزير العدل، في 24 نيسان الماضي، تعميمَين بإخضاع حرية القضاء والمشارَكة في الندوات والتواصل مع الغير لإذن مسبق.


ويبدو أن معالي الوزير هو أول الملتزمين بقراره. فإذ تمنّع بشكل قاطع عن الردّ على اتصالاتنا ورسائلنا المتكررة، نسأله مع السائلين: ألم يكن الأجدر، وأنتم شاهدون على تحضير مراسم «دفْن» القضاء، الانكباب على إيجاد سُبل لتحسين واقعه وإنقاذ ما تبقّى منه؟ وأليس التساؤل مشروعاً عن غياب مواقفكم تجاه أحداث مفصلية ليس أقلّها انقلاب النائب العام التمييزي، غسان عويدات، على المحقّق العدلي في قضية تفجير المرفأ، طارق البيطار؟ وأخيراً وليس آخراً، إن كان بيان نادي القضاة يمثّل خرقاً لموجب التحفّظ، كما تزعمون، فما الذي تمثّله التشكيلات القضائية المسيَّسة وقرْع بعض القضاة أبواب القادة والسياسيين ومعالجة بعض الملفات القضائية، أو تنييمها، بما يتلاءم مع رغبة ومصالح هذا وذاك؟

النادي يُزعج البعض

أسئلة تُغرق السائل إن هو حاول التنقيب عن إجابات في «كواليس» قصر العدل. لكن حال الاستياء، غير المقتصِرة على أعضاء نادي القضاة الـ112 إذ انسحبت على كثيرين من خارج النادي أيضاً، كفيلة بتأكيد محاولة إسكات كل صوت «نشاز» لا يتلاءم مع سياسات القمع التي تحاول المنظومة فرضها. مصدر مقرّب من النادي أشار إلى أن ما حصل قد يكون جزءاً من «لعبة كبيرة» سببها عدم استقلالية القضاء. فالنادي، الذي تأسّس سنة 2018 بعد نضال قضائي استمرّ قرابة 18 سنة لرفض السلطة إنشاءه، تمكّن من فرْض نفسه كتيّار استقلالي داخل القضاء. وما ملاحقة رئيسه، القاضي فيصل مكي، ثلاث مرات منذ إنشاء النادي سوى دليل على أن الصوت الاستقلالي داخل القضاء بات مستفزّاً لكثيرين. المصدر أكّد أن النادي يلتزم الصمت بانتظار قرار التفتيش القضائي، علماً بأن أهدافه أسمى من المعركة العبثية التي يحاول وزير العدل إقحامه فيها. ورأى أن مشاكل العدلية أكبر من إطلالات القاضي الإعلامية ومزاج وزير العدل أو فريقه السياسي الذي اعتاد على إسكات الجميع تحت شعار «أمرك سيدنا» لتمرير ما يُراد من ملفات وتجميد غيرها بلا محاسبة. وختم المصدر آسفاً أن يكون القانون قد منح الوزير سلطة إحالة القضاة إلى التفتيش القضائي، ما يؤكّد الارتباط الوثيق بين السلطة القضائية، من جهة، والسلطة التنفيذية، من جهة أخرى، وهذا ما يطالب النادي بإلغائه تحقيقاً لقضاء مستقل.

تحفّظ أم إسكات؟

المشكلة، إذاً، تتمحور حول موجب التحفّظ الذي أخذه وزير العدل منطلقاً. فما هو هذا المفهوم؟ مصدر قضائي مطّلع وصّف لـ»نداء الوطن» ما حصل بحالة سياسية بامتياز تهدف إلى إسكات نادي القضاة لأن موجب التحفّظ وُجد لمنع القاضي من التطرّق إلى ملف عالق أمامه، كما لتوجيه آدائه وتَصرُّفه في عمله ومجتمعه ومجالسه، وهذا ما لا يختلف عليه اثنان. وأضاف: «تدخُل عدم مراجعة القاضي للسياسيّين وعدم الانصياع لمصالحهم كما منعهم من التدخّل في التشكيلات القضائية في مندرجات موجب التحفّظ. لكن هؤلاء لا يُحالون إلى التفتيش القضائي بسبب الغطاء السياسي، رغم أن ما يقومون به مخالَفة جوهرية للموجب. فليس ضرورياً أن يكون التقصير من قِبَل التفتيش القضائي، إنما قد يعود لعدم توفُّر المعلومة أو غياب الأدلّة أو حتى تغطية وزير العدل لتلك الممارسات».

في شقّه الثاني، لا يعني موجب التحفّظ منْع القاضي من الكلام، إنما الحفاظ على حقّه بالتعبير لكن بشكل مدروس. «بالتالي، يمسي السكوت عن «القضية الأم»، أي استقلالية السلطة القضائية، مخالَفة بحدّ ذاته. وهذا هو أساس خلافنا مع السلطة السياسية التي تعتبر أن القاضي المطالِب بسلطة قضائية مستقلة يتخطى موجب التحفّظ». فماذا عن الإطلالات الإعلامية للقضاة، لا سيّما وأن قانون الموظفين يمنع الموظف من الإدلاء بتصريح دون موافقة مسبقة؟ «صحيح أن هذه المادة ترِد في قانون الموظفين وأن كل ما لم يرِد في القضاء العدلي يُطبَّق عليه قانون الموظفين، غير أنها ثغرة دستورية لا بدّ من تعديلها كون القاضي ليس موظفاً وبالتالي يُحتمل أن يُطبَّق هذا النص قانوناً أو لا يُطبَّق. فالقاضي يعرف جيداً ما الذي عليه قوله وعند المخالفة يُحال إلى التفتيش القضائي. لكن بات واضحاً أن المقصود هو منْع النادي من الإطلالات الإعلامية وبالأخص من إصدار البيانات التي، على ما يبدو، أزعجت الوزير بشكل ملحوظ»، بحسب المصدر.

القضاء يدّعي على القضاء

من بين المعترضين على القرار، أعلن ائتلاف استقلال القضاء في بيروت، الخميس الماضي، تضامنه الكامل مع نادي القضاة كي لا يكون شاهد زور على اغتيال العدالة. وفي اتصال مع المدير التنفيذي للمفكّرة القانونية، المحامي نزار صاغية، اعتبر الأخير أن ما جرى ينسف ضمانتين أساسيّتين من ضمانات استقلالية القضاء: حرية التعبير؛ وحرية إنشاء جمعية. وهذا يهدّد وجود النادي الذي أثبت أنه المساحة الوحيدة لتضامن القضاة وتشكيل تيّار استقلالي منعاً للتعدّي على القضاء والتدخّل به. «لكن يبدو أن هذا الموقف النقدي من التنظيم القضائي ومن التدخّل بملفات كثيرة قد أزعج وزير العدل، فجاءت شكواه. وبما أن القضاة المسيَّسين ممّن يخدمون مصالح الزعماء لم تتمّ ملاحقتهم، فهذا تأكيد قاطع على أنها محاولة إضافية لتجريد القضاة من ضماناتهم والإمعان في وضْع اليد على القضاء»، كما يرى صاغية.

هي ليست «رمّانة» بل «قلوب مليانة»، باعتقاد المتابعين. فمنذ صدور قرار نقابة المحامين حول حرية الظهور الإعلامي قبل أشهر ليليه قرار وزير العدل، بدا واضحاً أن العمل منسَّق لوضع اليد على المهن القانونية للتحكّم بحريّاتها. «وقتها استُدعيت إلى النقابة وقلت إن أي تعرّض لحرية المحامين هو مقدمة للتعرّض لحرية القضاة... وكنّا نعلم أننا ذاهبون إلى استهداف الرأي المخالف». قد تكون شكوى وزير العدل، ليس فقط على قاضٍ مخالف إنما على نادٍ بأكمله، سابقة لبنانية وعالمية. فهل هو ادّعاء القضاء... على القضاء؟ «نتمنى على أعضاء هيئة التفتيش القضائي الانتصار لمبادئ استقلالية القضاء أكثر منه لنفوذ الوزير. كما نطالب مجلس النواب بالإسراع في إنجاز اقتراح قانون استقلالية القضاء ذاك وفق المعايير الدولية، منعاً لاستمرار الاعتداءات على القضاء وتعطيله»، كما يختم صاغية.


مستقبل العدالة كارثي

بدوره، لفت المحامي والمرشّح للعضوية ولمركز نقيب المحامين في بيروت، الدكتور ألكسندر نجار، في حديث لـ»نداء الوطن» إلى أن استمرار مرفق العدالة على هذا النحو الرديء لا يجوز. فثمة مطالب محقّة للقضاة لا يمكن التغاضي عنها، لا سيّما لجهة الرواتب والمقدّمات التي لم تعد مقبولة. كما أن مسألة التعيينات تَطرح تساؤلات مشروعة: أين أصبحت التشكيلات المعرقَلة منذ سنوات؟ وأين قانون استقلالية القضاء الذي لا يزال قابعاً في أدراج المجلس النيابي؟ «أتفهّم تماماً هواجس وقلق نادي القضاة. قد تكون المشكلة كامنة في الوسيلة المتّبعة وخروج هذه القضايا إلى الإعلام بأسلوب فيه شيء من التحدّي، في حين أن الحكمة تقتضي مقاربة الأمر بأساليب أخرى أكثر فعالية. نأسف كمحامين لهذا الوضع المُعبّر عن واقع مرير نحن أوّل من يسدّد فاتورته نتيجة الجو المتشنّج في قصور العدل والإضرابات والاعتكافات التي من شأن هكذا خلافات، نحن بغنى عنها، أن تخلقها».

نسأل عن مستقبل العدالة في لبنان، فيصفه نجار بالكارثي حيث أن أبسط المتطلّبات من أوراق ومغلّفات لم تعد مؤمَّنة، إذ باتت نقابة المحامين في بيروت المسعِف الأوّل للقضاء في مجالات عدّة. المهام تلك، من حيث المبدأ، هي من مسؤولية وزارة العدل التي تفتقر حالياً للأموال اللازمة وغياب المناقصات واستدراج العروض لانعدام الثقة بالدولة عامة. وينهي: «ضمن برنامجي الانتخابي، أقترح عقد «مؤتمر وطني للعدالة» يضم نقابتَي بيروت وطرابلس ومجلس القضاء الأعلى كما وزارة العدل وممثّلين عن لجنة الإدارة والعدل، وتكون مهمته معالجة المشاكل المزمنة التي تؤرق مرفق العدالة، وإصدار قرارات عملية تُنفَّذ ضمن جدول زمني محدّد، لا توصيات تبقى حبراً على ورق».