Advertise here

سياسة الطاقة ناقصة ويتهدّدها الفساد

04 تشرين الأول 2023 07:13:39 - آخر تحديث: 04 تشرين الأول 2023 08:32:27

التجربة النفطيّة في لبنان حديثة ومعقدة نظراً لتداخل عدّة عوامل تؤثر في مسارها بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. فمستقبل هذه الثروة يقف أمام مفترق طرق قد تؤدّي إلى هدرها إذا لم تتم إدارتها بشكل سليم ومرن وضمن أطر قانونيّة واضحة للشفافيّة والمساءلة، آخذين بالإعتبار، إمكانيّة الإعتماد على تجارب الدول النفطيّة بما يتناسب وخصوصيّة الحالة اللبنانيّة. ففي ظل المتغيّرات الدوليّة السياسيّة والإقتصاديّة المتسارعة وفي ظل نظام العولمة وفتح الأسواق، إشكاليات وأسئلة كثيرة يمكن طرحها في سياق الحديث عن استشراف مستقبل الثروة البتروليّة في لبنان الذي يُنبئ بقطاع واعد إن من حيث كميّة الإحتياطات المتوقعة وإن من حيث الموقع الجغرافي المميّز، وذلك على الرغم من التحديّات والأخطار المتفرقة التي تواجه تطوّر القطاع ومساره. فما هي الركائز الرئيسيّة التي تفتقدها سياسة الطاقة والموارد البترولية في لبنان؟

تحقيق أمن الطاقة

اولاً، هناك تأمين امن الطاقة على مدار السنوات القادمة وفي كافة الظروف المناخية والطبيعية والأمنية، فضلاً عن إحترام معاهدات استيراد وتصدير الطاقة أو الموارد التي تُستعمل لإنتاج الطاقة. بحيث يعتمد لبنان بنسبة شبه كاملة على المنتجات البتروليّة المستوردة الأمر الذي يشكّل فاتورة ضخمة ترهق الخزينة اللبنانيّة.

فبحسب مصادر متابعة لـ «نداء الوطن»: «من البديهي في أي استراتيجيّة وعند استشراف مستقبل الثروة البترولية تحقيق الأمن الطاقوي للبلاد، وذلك من خلال تحديد الحاجات اللبنانيّة الفعليّة من الطاقة ومواردها للسنوات المقبلة. كما من خلال تأمين البنى التحتيّة اللازمة لذلك. فللحوكمة والإستدامة دور كبير في تحقيق هذا الأمر، سيّما وأن تأمين مخزون استراتيجي من موارد الطاقة يشكّل نقطة قوّة للدولة ويقلل اعتمادها على الخارج من خلال تأمين جميع حاجات البلد الداخليّة من موارد الطاقة. كما يكرّس امكان تحكّمها في السوق والتصدير بما يتناسب مع مصالحها، إلّا أن أهم عامل يجب أن يأخذه لبنان بعناية تامّة بالنسبة للدول التي سوف تستورد الغاز منه، هو أن استقرار الإمدادات يشكّل الهاجس الأكبر عند الدول المستوردة». 

الإستدامة عبر الأجيال

ينبغي على أي سياسة بتروليّة شاملة للقطاع، أن تأخذ بالإعتبار موضوع استدامة الموارد من خلال تلبية حاجات الأجيال الحاليّة دون المس بحقوق الأجيال المستقبليّة. وهذا ما جسّده نص قانون الموارد البتروليّة في المياه البحريّة اللبنانيّة رقم 132/2010 الذي نص على ضرورة الإلتزام بعمليّة الإنتاج الرشيد وذلك وفقاً لرخصة إنتاج يمنحها وزير الطاقة والمياه لفترة زمنيّة محدّدة تحدّد كميّة البترول التي يمكن إنتاجها. لمثل هذه الإجراءات أن تساهم في تحقيق الإستغلال الأمثل للموارد البتروليّة في لبنان مع الأخذ بالإعتبار المخاطر المحتملة والمرتبطة بالقطاع لا سيّما من الناحية البيئيّة. 

من شأن ذلك أن يساهم في تحقيق التنمية الإقتصاديّة والإجتماعيّة المستدامة على المدى الطويل، وذلك في حال تأمين نظام عادل وشفاف لإدارة العائدات الماليّة المتأتية عن الأنشطة البتروليّة وما يرتبط بها من آثار بيئيّة وصحيّة سلبيّة. «إذ إن إشراك سياسات الطاقة في عمليّة التنمية المستدامة والشاملة في لبنان تحصل من خلال التخطيط الإستراتيجي السليم لسياسات أكثر فعاليّة تؤدّي إلى استبدال الموارد القابلة للنضوب بموارد متجدّدة ذات جدوى إقتصاديّة وبيئيّة وصحيّة وتنمويّة كبيرة غير مرتبطة بمصالح فئويّة ضيقة».

خلق القيمة المضافة

من الطبيعي أن يكون لقطاع النفط والغاز في لبنان إنعكاس مباشر على الإقتصاد والماليّة العامّة اللبنانيّة. بحيث تحث المصادر الجهات الرسمية المعنية على العمل من أجل خلق أقصى قيمة إقتصاديّة مباشرة وغير مباشرة في عمليّة إستغلال الثروة البتروليّة الكامنة في البحر اللبناني، وذلك عبر دعم وتشجيع المشاركة المحليّة والوطنيّة في هذا المجال. على أن يتم ذلك من خلال إعطاء ميزات تفاضليّة للمورّدين كما للسلع اللبنانيّة، بالإضافة إلى إعطاء الأولويّة لليد العاملة اللبنانيّة في ما خص التوظيف في هذا القطاع الحيوي الأمر الذي يؤدّي إلى خلق فرص عمل كبيرة ومتنوعة.

فبحسب المصادر المتابعة، «يُتوقّع بأن تناهز الإستثمارات في مجال الطاقة والموارد البتروليّة حوالى 25 مليار دولار خلال الفترة الممتدّة حتى العام 2030، مع إمكانيّة خلق 20 ألف فرصة عمل مباشرة و30 إلى 40 ألف فرصة عمل غير مباشرة. إن عمليّة تعزيز الإستثمارات على اختلافها، وتبادل الخبرات التكنولوجيّة في القطاع البترولي تساهم في تعزيز مكانة لبنان الإقتصاديّة والماليّة وحتى السياسيّة، نظراً لآثارها المباشرة على النمو الإقتصادي والإجتماعي معاً».

وتضيف المصادر، «إن خلق اقتصاد قوي يتم من خلال استغلال الموارد في تحقيق نهضة إقتصاديّة كبرى يمكّن الإقتصاد اللبناني من تعزيز قدرته التنافسيّة. الأمر الذي يتطلّب تجهيز وتطوير البنى التحتيّة والخدمات على اختلافها، لا سيّما في ما يتعلّق بخطوط النقل ومحطات التكرير كما من خلال تأمين البنى التحتيّة الخاصّة بالإستيراد والتصدير والإستهلاك كما تلك الخاصة بعمليّة التخزين الآمن للمشتقات البتروليّة. بالإضافة إلى تحقيق نهضة نوعيّة في قطاعي الصناعة والزراعة، ومواءمة الإختصاصات مع حاجات سوق العمل وبخاصّة الإختصاصات المرتبطة بالهندسة البتروليّة والبتروكيميائيّة. من هنا تظهر أهميّة وضرورة صياغة إستراتيجيّة شاملة تسعى لإطلاق عمليّة الإصلاح اللازمة لإزالة المشاكل البنيويّة القائمة منذ سنوات.

كما أن توظيف العائدات الماليّة المتأتية من الأنشطة البتروليّة في مجال إقامة مشاريع إستثماريّة وتنمويّة طويلة الأمد، من شأنه أن يساهم برفع المستوى المعيشي والإجتماعي العام في لبنان، وأن يؤثّر على السياسة الماليّة والضرائبيّة التحفيزيّة للدولة اللبنانيّة، باعتبار أن النظام المالي والضريبي الخاص بقطاع النفط والغاز من شأنه أن يترك إنعكاسات مباشرة على جذب الشركات الدوليّة وتشجيعها على الإستثمار في استغلال هذه الموارد وذلك من دون التفريط بحقوق الدولة اللبنانيّة الماليّة. من هنا، تبرز الأهميّة في مدى ارتكاز السياسات الإقتصاديّة الوطنيّة على دعم القطاعات الإنتاجيّة».

القدرة على المنافسة

تشير المصادر إلى «ضرورة أن يساهم قطاع النفط والغاز في لبنان في جذب رؤوس الأموال والإستثمارات وتعزيز قدرات القطاع الصناعي اللبناني على تأمين عنصر المنافسة. وذلك من خلال خلق أفضل معايير التنافس لجذب وتعزيز الإستثمارات الأجنبيّة على وجه الخصوص في هذا القطاع، الذي بدوره يؤدّي إلى تعزيز موقع الدولة باعتبارها الطرف الأقوى في المفاوضات والعقود البتروليّة، كما وإلى تعزيز منافسة المنتجات اللبنانيّة. في هذا السياق، لا بد من المحافظة على قابليّة الإستشراف لصياغة الخطط اللازمة لمواكبة تطوّر القطاع، فضلاً عن المحافظة على استقرار الإطارين التشريعي والقانوني للقطاع والمحافظة على الإستقرار الأمني والمالي».

إن أهمّ العوامل التي تساهم عمليّة استغلالها في تحقيق المنافسة في ما خص قطاع الصناعة البتروليّة، هي مسألة الموارد البشريّة اللبنانيّة. فنظراً لأهميّة هذه الأخيرة في العمل الإداري، من الضروري أن تقوم الدولة اللبنانيّة باستخدام هذه الموارد في مجال تطوير الصناعة البتروليّة محلياً. فمسألة توظيف اللبنانيّين وتدريب العاملين في القطاع البترولي وفق أفضل التقنيات الحديثة والمعايير الدوليّة المتّبعة في الصناعة البتروليّة من شأنها خلق الكفاءة في العمل ومنح الخبرة اللازمة في هذا المجال.

المساءلة والمحاسبة

من أجل وضع القطاع البترولي في لبنان على السكّة الصحيحة، لا بد من إعتماد نظام إدارة متين وشامل يقوم على أساس المشاركة، ويعتمد على الشفافيّة كسبيل لتحقيق مبادئه، وذلك وفقاً لأفضل المعايير والممارسات الدوليّة المرتبطة بالمحاسبة في هذا المجال.

واعتبرت المصادر «أن الممارسات المتتابعة للدولة اللبنانيّة على مدى عقود في ما خص إدارة السياسات العامّة في البلاد، أثبتت فشلها في تحقيق الأهداف المرجوّة من هذه السياسات نظراً لأسباب عدّة على رأسها سوء الإدارة وتفشّي الفساد فضلاً عن غياب التخطيط السليم والمحاسبة الجديّة. إذ تكمن الأهميّة اليوم في تعزيز ثقة الشعب اللبناني بحكومته وبالمسار الذي يسلكه قطاع حيوي واستراتيجي كالقطاع البترولي في لبنان، لما له من تداعيات مباشرة على مستقبل شعبه وأبنائه».

وأضافت: «يعتبر موضوع الفساد من أبرز التحديات التي تواجه القطاع النفطي في لبنان، خاصّة في ظل غياب ثقة المواطن بالدولة. فالتطبيق السليم للقوانين يبدأ من خلال مكافحة الفساد الذي يعتبر صفة ملاصقة لبنية النظام والإدارات الرسميّة اللبنانيّة. فالشكوك تزداد لدى الرأي العام حول إمكانيّة تسلّل الفساد بمستويات عالية إلى هذا القطاع الحيوي لا سيّما في ما خص العلاقة التي تجمع الشركات البتروليّة بالطبقة الحاكمة. وما يعزز هذه المخاوف هو أن العائدات الماليّة المحتملة من إستغلال الثروة البتروليّة مرتفعة جداً وتقدّر بمليارات الدولارات، الأمر الذي يجعل مدركات الفساد المرتبطة بالقطاع البترولي في لبنان مرتفعة ومن الملحّ العمل على معالجتها اليوم قبل الغد».