حرب شرسة على جنبلاط... على وقع تحولات هائلة

ربيع سرجون |

خضع لبنان لتوازنات ثنائية طيلة فترة ما بعد الاستقلال وصولاً إلى ثورة العام 1958. كان قَدَر المختارة، ولا يزال، أن تلعب دوراً جامعاً لا تقسيمياً، ورفعَ شعار الوحدة الوطنية، والمشاركة في السلطة والحكم بدلاً من اختزالها من طرفٍ أو طرفين. كان رئيس الجمهورية ما بين عامي 1943 و1958، هو الحاكم بأمره، بينما رئيس الحكومة مستلحق يعيّنه رئيس الجمهورية، صاحب الصلاحيات الأوسع، وذلك وفق قواعد الميثاق.

 لكن تفرّد رئيس الجمهورية، وإلحاق لبنان بسياسة المحاور الدولية، أدى إلى اختلال الميزان السياسي في البلاد، خصوصاً وأن لبنان لا يُحكَم بمنطق الاستئثار. ولا يمكن للمرء أن ينسى التاريخ، أو يعتبر نفسه قادراً على القفز فوق دروسه. فثنائية بشارة الخوري ورياض الصلح سقطت بثورةٍ بيضاء ترفض منطق الثنائية المستأثِرة بالقرارات والمقدّرات. وأحادية الرئيس كميل شمعون سقطت بثورة العام 1958، وشاء القدر أن تكون المختارة قائدة ورائدة الثورتين.

ما بعد العام 1958، حكمت التوازنات اللعبة السياسية في البلاد، وبقيت الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية. لكن تمّ إرساء توازن سياسي لم يكن من السهل الخروج عنه، أو الإخلال به، فكانت تسوية الرئيس فؤاد شهاب، وكان للمختارة الدور الأساسي في إرساء العهد الشهابي، والتماهي مع الإصلاحات البنيوية التي تحققت خلاله. ومع تغيّر الرياح الإقليمية، وتأثّر لبنان بها، استمرّ التوازن على الرغم من تعرّضه للكثير من محاولات الضرب، خاصةً مع تكوّن الجبهة اللبنانية بمواجهة الحركة الوطنية.

 والسياسة التي انتهجتها الجبهة اللبنانية في تلك الفترة، والتي طمحت من خلالها إلى استعادة حقبة الثنائية أو التفرد، أدّت في النهاية إلى تفجّر الحرب الأهلية على وقع تحولات وتطورات دولية أسهمت في إشعال النيران اللبنانية. فصحيحٌ أن منطق إحياء الثنائية، أو الأحادية، قد سقط بفعل تفجّر الحرب، لكن ما لا يمكن إغفاله هو أن دماء كمال جنبلاط هي التي أسقطت منطق الاستئثار. واستشهاده كان بفعل رفضه الانحناء للرياح الإقليمية والدولية، ورفضه الدخول في السجن العربي الكبير الذي منح لبنان للنظام السوري.

استمرّت الحرب لخمس عشرة سنة، وبعدها جاء اتفاق الطائف الذي أعاد التوازن إلى السلطة، وأوقف العدّ الطائفي والمذهبي، هذا الاتفاق الذي كلف الوصول اليه اكثر من 150 الف قتيل، وتحقق بعد سلسلة متغيرات ابرزها معركة سوق الغرب الذي خاضها الحزب التقدمي الاشتراكي والتي ادت الى تغيير ميزان القوى على الارض وفتحت الطريق امام الطائف. وفيما خرج النظام السوري على دماء رفيق الحريري، كان نصيب وليد جنبلاط والمختارة، مجدداً، أن يكون على رأس انتفاضة الاستقلال وثورة الأرز. قاد جنبلاط الجموع إلى تشييع شعبي للحريري، وأطلق من قريطم انتفاضة الاستقلال إلى حين خروج الجيش السوري من لبنان، فتغيّرت المعادلات، وكان وليد جنبلاط صانع الحدث.

يعود لبنان إلى أيام سوئه وانقسامه وضعفه في هذه المرحلة، وذلك بفعل التسوية الرئاسية التي حصلت، والتي تسعى بعض القوى المقرّرة فيها إلى استعادة ثنائيات الحكم. وهذه على الأرجح ستؤدي إلى تفجر الوضع السياسي في البلاد، خاصةً وأن من يحكمون لا يريدون الاستئثار فحسب، بل يتحدثون عن حرب إلغاء، وإقفال بيوتات سياسية. وعلى الأرجح أنهم ينسون التاريخ والجغرافيا.

مما لا شك فيه هو أن المرحلة التي يمرّ فيها لبنان حالياً من أصعب مراحله، خاصةً وأن المنطقة على شفير تحولاتٍ هائلة، تشبه إلى حدّ بعيد سنة 1976 وسنة 1977. وهنا لا بد من التذكير بالجولة العربية التي أجراها الشهيد كمال جنبلاط على عددٍ من الدول العربية والإقليمية، وما تلقاه جنبلاط في حينها من تحذيراتٍ كثيرة من رؤساء بعض الدول حول وجوب عدم العودة إلى لبنان، لأنه هناك تهديدات أمنية قد تتهدد حياته، لكنه لم يأبه وأصر على العودة.

كان المسار قد أصبح واضحاً في حينها، فالتقت مصالح القوى الإقليمية والدولية على ضرب القوى التقدمية واليسار. وكانت آفاق الاتفاق بين هنري كيسنجر وحافظ الأسد بتقاسم لبنان قد بدأت تنّفذ. فاجتمعت المصالح على تصفية كمال جنبلاط، طالما أنهم لم يتمكنوا من إلغاء، أو تعطيل، تأثيره في المجريات اللبنانية، فكانت اللحظة الكبيرة في مخطّط اغتياله. اليوم ثمة تقاطعات إقليمية ودولية تحصل، ومن شأنها إحداث تغيير جذري في المنطقة. ويحاول بعض الأفرقاء اللبنانيين التماهي معها، لذلك يقود هؤلاء الحرب الشرسة على وليد جنبلاط، لإلغاء دوره وتأثيره. لكن من لا يعرف التاريخ لن يكون له المستقبل.