Advertise here

ضغوط أميركية والأسوأ منتظر

08 آب 2023 07:57:02 - آخر تحديث: 08 آب 2023 16:29:25

عندما أنهى الوسيط الفرنسي جان إيف لودريان زيارته الأخيرة لبيروت، كان يعلم أن حظوظ التسوية السياسية معدومة في الأشهر الخمسة المتبقية من السنة الجارية. لكن باريس راهنت على الخرق في أيلول، إذا نجحت في «إرضاء» اللاعب الإيراني. وأما اليوم، فالأمور سارت في عكس الاتجاه، وهي تتجه سريعاً إلى الأسوأ، إلى قعر جديد في مسار الانهيار.

يخشى البعض أن يكون لبنان في طريق عودته إلى النقطة الصفر سياسياً. فالإيجابيات التي ظهرت في الأشهر الأخيرة، ولو في الشكل، وخلقت هامشاً للتفاؤل، كان سببها اتفاق بكين ورغبة السعودية وإيران في تطبيع العلاقات بينهما وإطفاء بؤر التوتر الإقليمية. لكن هذا المسار يتعرّض اليوم لانتكاسة جدّية.

فقد تمّ الإعلان رسمياً عن تجميد مسار التقارب بين الخصمين الإقليميين، فيما تصاعد التوتر السياسي في مناطق الاشتباك الإقليمية، ولاسيما منها اليمن وسوريا ولبنان والساحة الفلسطينية.
فهل نشأ هذا التعثر نتيجة خلاف سعودي - إيراني مستجد، حول اليمن ومسائل أخرى، أم نتيجة الدخول الأميركي القوي على الخط السعودي، والرغبة في إعادة أكبر حليف خليجي إلى «بيت التحالف»؟
ثمة مَن يعتقد أنّ الأميركيين نزلوا مجدداً إلى الساحة في الخليج، بعد انحسار نسبي تسببت به سياسة الرئيس جو بايدن المتحفظة مع المملكة والانشغال بحرب أوكرانيا، وقدّموا للسعوديين إغراءات تفوق بكثير ما يمكن للصينيين أن يقدّموه. وفي تقدير بعض المتابعين أنّ من البديهي أن تبدي القيادة السعودية الجديدة، التي تتصف بالبراغماتية، استعدادها للتجاوب مع المسعى الأميركي المستجد، ولكنها تريد الاطمئنان إلى أنّ المملكة ستحصل على الثمن المناسب من واشنطن، لا على الوعود. والثمن يبدأ خصوصاً بضمانات تتعلق بأمن المملكة والخليج، وخصوصاً في اليمن.

وقد جاء انعقاد المؤتمر الخاص بأوكرانيا في جدة، بعدد من المشاركين فاق بأضعاف عدد المشاركين في مؤتمر كوبنهاغن، ليشكّل إشارة مهمّة إلى الرصيد الذي أرادت واشنطن أن تمنحه للمملكة، في سياق التفاهم الجديد معها.
طبعاً، سيكون من المبكر تقدير ما إذا كانت المملكة ستخرج من اتفاق بكين في مقابل عودتها إلى الحلف الأميركي. ومن الممكن أن تحافظ الرياض على التوازن في علاقاتها مع الجميع، في سياق سعيها إلى تطبيق سياسة «صفر مشكلات» التي تعمل بها في السنوات الأخيرة.
ولكن، في أي حال، إنّ أي خطوة سعودية في اتجاه تجميد مفاعيل اتفاق بكين، والعلاقات مع دمشق، لا بدّ أن تستفز إيران من باب اعتبارها انقلاباً عليها، بتشجيع ودعم أميركيين. وبديهي أن يدفعها ذلك إلى الاستنفار دفاعاً عن مصالحها في كل البقع الإقليمية التي تتمتع بنفوذ فيها. ومن هذا المنطلق، تبدو مناطق الاشتباك الاقليمية كلها على وشك الدخول في موجة تصعيد جديدة، ومنها لبنان، حيث تلوح السخونة في عدد من النقاط:


1- يمكن اعتبار الاشتباك داخل مخيم عين الحلوة جزءاً من النزاعات الإقليمية التي تُدار بالواسطة. فالمخيم، بتركيبته السياسية والأمنية الشديدة التشابك والتعقيد يمثّل صندوق بريد مثالياً للرسائل الإقليمية الساخنة.
وقد يكون إشعال المخيم مطلوباً في سياق مهمّة تتعلق بالوضع الفلسطيني الداخلي، لكنها أيضاً ربما تهدف إلى وضع لبنان على صفيح ساخن، لإنضاج ظروف سياسية معينة. وفي هذه الحال يكون تفجير المخيم بديلاً من تفجير الأمن على الساحة اللبنانية ككل. وفي المراحل المقبلة قد يشهد النزاع في عين الحلوة تصعيداً أشدّ عنفاً، وقد يمارس بعض القوى ضغوطاً لإقحام اللبنانيين فيه.
2- من المرجح أن يدخل الملف السياسي الداخلي في مزيد من التعقيدات، انعكاساً لجمود التقارب بين السعودية وإيران، والتطبيع بين العرب ودمشق. 3- استتباعاً، ثمة مَن يخشى الانزلاق إلى طبقات جديدة في الانهيار المالي والنقدي خلال هذه الفترة، خصوصاً في ظلّ الإرباك الذي تعيشه في آن معاً قوى السلطة والإدارة الجديدة لمصرف لبنان. وحتى زخم الاستفادة من أموال المغتربين والسياح تراجع بعد الإنذارات التي توالت السفارات على توجيهها إلى الرعايا كي يغادروا أو يتجنّبوا المجيء.


4- في هذه المناخات من السخونة الأمنية والفوضى، وتعثر المبادرة الفرنسية، واحتمال دخول إسرائيل على خط التوتير جنوباً في ظلّ تهديدات مستمرة بـ»إعادة لبنان إلى العصر الحجري»، كما فعلت في الساعات الأخيرة، سيكون صعباً إطلاق شركة «توتال» مسار التنقيب عن الغاز في البقعة البحرية الحدودية. وهذا يعني اختناق لبنان اقتصادياً أكثر فأكثر.
5- يلوّح الأميركيون بموجة عقوبات جديدة على شخصيات ومسؤولين لبنانيين. ويتردّد أنّ هذه العقوبات ستظهر في الأسابيع المقبلة. وللتذكير، العقوبات السابقة أضعفت كل الناس إلاّ «حزب الله».
هذه المناخات ستجعل الوسيط الفرنسي لودريان بعيداً جداً عن طموحات الحوار الموعودة في أيلول. ويبدو نجاح المهمة الفرنسية مستحيلاً، حتى إشعار آخر.
ومجدداً، تتسع الهوة بين أركان الفريق الخماسي الخاص بلبنان، كما تلاشت فرص التفاهم التي كان يعوّل عليها الفرنسيون بين هؤلاء وإيران. ولذلك، في الشهرين المقبلين، سيقبل لبنان على فترة تتصف بالسخونة والتصعيد ومزيد من الفوضى على كل المستويات.