السياسة الخارجية بانتخابات الرئاسة الأمريكية

أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السباق للانتخابات الرئاسية القادمة، والتي ستجري في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2020. وترامب ترشح لولاية ثانية انطلاقاً من قاعدته الرئيسية في ولاية فلوريدا التي فاز فيها عام 2016، وأهّلته في سباقه مع منافسته في حينها هيلاري كلينتون، وهو لم يعلم بعد مَن مِن المرشحين المنافسين سيكون في مواجهته، خصوصاً أن عدد الذين أعلنوا عن نيتهم خوض السباق تجاوز 12 شخصية من الرجال والنساء، أبرزهم نائب الرئيس السابق جو بايدن واليزابيت دارين وبيلي ساندرز.
تبدو العناوين الخارجية أكثر جاذبية في حملة ترامب هذه المرة، على عكس حملته السابقة عام 2016 التي تركزت على جمود الاقتصاد الأمريكي وتفاقُم البطالة؛ برغم أن ترامب سيستثمر نجاحاته الاقتصادية خلال السنوات الثلاث الماضية في حملته الرئاسية، لأنه بالفعل قد لجم ارتفاع مستوى البطالة في صفوف الشباب، ونجح في رفع النمو الاقتصادي، وعدَّل بعض الشيء في ميزان المدفوعات الخارجية لصالح بلاده.
من أبرز العناوين في السياسة الخارجية التي بدأ ترامب الإضاءة عليها: موقفه من الصين ومن روسيا ومن إيران، المنافسين الرئيسيين لسياسة بلاده في المجالات التجارية والعسكرية والأمنية. وبطبيعة الحال فإن ملف كوريا الشمالية النووي يعتبر كابوساً إستراتيجياً لسياسة الولايات المتحدة، خصوصاً بعد أن أخفق ترامب في إيجاد تسوية مع بيونج يانج رغم اجتماعه لمرتين مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونج أون.
لكن ترامب يحاول عن قصد الجنوح نحو ملفات خارجية حساسة، لم يكُن على دراية في معظمها عام 2016، لأن كفة ميزان الحسابات الداخلية لا تبدو محسومة لصالحه رغم بعض نجاحاته الاقتصادية، لأن مستوى الاعتراض على سياسته فاق كل الحدود، ووصل إلى حد تبادل الشتائم بينه وبين بعض خصومه في الحزب الديمقراطي، لاسيما مع رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، التي قالت إن أمريكا تمر بأزمة دستورية بسبب رفض ترامب التعاون مع التحقيقات العديدة التي تجريها لجان الكونجرس حول تجاوزاته، بينما طالب أكثر من 20 نائباً بالمباشرة في إجراءات دستورية لعزله بحجة عدم أهليته لتولي الرئاسة.
ومن أبرز المواضيع الخارجية التي يتناولها ترامب في سياق التعبئة الانتخابية؛ موضوع العلاقات مع الصين لأنها المنافس التجاري الأبرز لبلاده في العالم، ولأن الميزان التجاري بين واشنطن وبكين ليس في مصلحة الأولى. وكادت إجراءاته بحق شركة «هواوي» للهواتف الذكية الصينية أن تُشعل حرباً تجارية ساخنة بين البلدين؛ لولا التهدئة التي حصلت أخيراً، وكانت بمثابة تنظيم للنزاع أكثر مما هي اتفاق، لأن منافسة «هواوي» تعتبر خطراً مستقبلياً له طابع تجاري، وفيه أخطار أمنية أيضاً، لاسيما في منافستها لشركة جوجل التي تحتفظ بأكبر مخزن للمعلومات على الإطلاق.
وفي صراع ترامب مع روسيا عناوين يمكن الاستفادة منها في التعبئة الانتخابية، لأن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها بلاده على روسيا حققت بعض أهدافها. وهذه العقوبات التي جاءت على خلفية ضمّ جزيرة القرم لروسيا عام 2014. وقد زادت هذه العقوبات في تأزّم العلاقات بين البلدين والتي وصفها الرئيس بوتين: بأنها تسيرُ «من سيئ إلى أسوأ»، وأدت إلى تفاقُم التوتر في أكثر من مكان في العالم، خصوصاً في فنزويلا وسوريا وتركيا وكوريا الشمالية وأوكرانيا، ولا يبدو مؤكداً أن مستقبل هذه التوترات سيخدم حتماً ترامب في انتخاباته الرئاسية القادمة، لأن تغييرات هائلة تحيط بالعلاقات الدولية، وتسود هذه العلاقات فوضى غير مسبوقة وغير محسوبة النتائج.
وإذا كان ترامب يراهن على نجاح في فرض عقلنة على سياسة الانفلاش الغريبة للسياسة الإيرانية، من خلال التهديدات العسكرية، ومن خلال العقوبات الاقتصادية؛ لكن تجاوز إيران لحدود اللعبة عبر توتيرها الأمني غير المسبوق في منطقة الخليج؛ قد يدفع المنطقة إلى حرب غير محسوبة النتائج. وقد تأكدت هذه الأجواء المُخيفة بعد الاعتداءات الإرهابية التي طالت مطار أبها وناقلات النفط العملاقة في بحر عُمان، وبعد الزيارة الفريدة من نوعها لرئيس وزراء اليابان شينزو آبي إلى طهران، والتي لم تنجح في تهدئة الأجواء المتوترة بين واشنطن وطهران.