جنبلاط يقصف "الثنائية"... وبنود "فضائية" في البرلمان؟

تتداخل التوتّرات السياسية التي تشهدها الساحة الداخلية مع توتّرات جلسات لجنة المال والموازنة النيابية المخصصة لمناقشة مشروع الموازنة العامة، وكأن ثمة بنوداً مدوّنة نزلت من الفضاء وحطّت خلسةً في ساحة النجمة. وتعبّر عن هذا الواقع أوساط نيابية مشاركة في اجتماعات اللجنة، مشيرةً الى "ألغام" في الملف وخفّة في التعاطي، فبعض البنود دُوّنت من دون مناقشتها في مجلس الوزراء أو من غير الانتهاء من نقاشها أو الاتفاق عليها، بل تمت احالتها على المجلس النيابي بعدما جرى تحضيرها في غرف مغلقة، وفق الأوساط.
تعكس الأجواء "الموازنتية - البرلمانية" السلبية، مؤشرات مقلقة تهدّد "وحدة وطنية" الحكومة وهو الشعار الذي أُسند اليها باعتبارها صورةً مصغّرة عن البرلمان. فأيّ دلالات لانتقاد مشروع موازنة نوقش في حضور وزراء يمثلون الكتل النيابية نفسها وتصويتهم؟ في رأي الأوساط النيابية، ان مواقف هؤلاء الوزراء غير مشجعة ازاء الطرق التي عدّلت فيها الموازنة وأُقرّت، ولا يغيب عن المشهد عدم الأخذ بآراء الوزراء وعدم اعطائهم حقّهم في الكلام خلال جلسات الحكومة. ويبرز من بين البنود التي تثير الجدل في أوساط عدد من النواب، وقد عقّب عليها مشاركون في الجلسات، تسوية المقالع والكسارات التي قُدّر رسمها الضريبي بخمسة ملايين ليرة لبنانية، فيما طلب البعض رفعها الى مئة مليون.
الأجواء الفضائية "من غير كوكب" المسيطرة على واقع العلاقات بين المكونات السياسية، لا تشتمل على "بلوكات" محورية متقابلة. وتصف الأوساط أجواء النقاش في البرلمان بالحرّة والعلمية والموضوعية، إذ يتمتع النواب بحرية فضفاضة في التعبير عن آرائهم، وقد يشمل التباين في الآراء النواب داخل الكتلة الواحدة، مع اشادة بدور رئيس اللجنة النائب ابرهيم كنعان. وتخلص الأوساط الى ضرورة صوغ توجهات وطنية علمية مدروسة في "موازنة لا تشبه الموازنة" أحيلت على مجلس النواب.
يأتي ذلك في ظلّ ثورة "تويترية" يقودها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط، الذي تنقل أوساطه المقرّبة لـ"النهار" امتعاضه مما تسميه التسويات الطائفية المبنية على مصالح، والمقصود بها الاتفاقات الثنائية بين وزير الخارجية جبران باسيل والرئيس سعد الحريري. ويستشعر جنبلاط تهديداً جدياً يطاول اتفاق الطائف والمؤسسات الوطنية والتوازنات في البلاد، محذّرا من جرّها نحو مغامرات داخلية أو خارجية. وتنتقد الأوساط الكيفية التي يتم فيها تعاطي لبنان الرسمي مع الخارج، رغم نصّ البيان الوزاري على النأي بالنفس وعلى تحديد سياسة الدولة في مجلس الوزراء. 
لا يعكس الخطاب اللبناني الرسمي الذي يتبناه باسيل في المحافل الدولية نأياً بالنفس، وفق المقربين من جنبلاط، بل هو موقف منحاز الى المحور السوري في قضايا عدّة من دون الأخذ في الاعتبار المصالح الوطنية. ولا ينأى الموقف الرسمي بنفسه في موضوع الصراعات الاقليمية والازمة السورية وملف النازحين، في محاولات واضحة لتحويل البلاد الى طرف في المواجهة الاقليمية. ولا يمكن التعاطي مع المجتمعين العربي والدولي أن يستمرّ بهذا العداء حيال السياح. كما لا يمكن ادارة ملفات داخلية خلف الكواليس كملف الكهرباء أو النفط أو التعيينات. ويعبّر المقربون من جنبلاط عن سخطٍ ازاء الفشل في الادارة السياسية للبلاد والذي يخشى أن يستمر مترافقاً مع فشل في الادارة الاقتصادية والانمائية والخدماتية. 
لم يقصد جنبلاط التسوية الرئاسية في استخدامه عبارة "تسوية الذل"، بل إن هذا التوصيف يتناول التسويات الثنائية الطائفية. ولم يخرج عن التسوية الرئاسية، فالاجتماعات مستمرة مع رئيس الجمهورية وهو يتعامل بايجابية معه، وثمة ملفات دقيقة ينسّق خلالها وزراء "اللقاء الديموقراطي" مع الرئيس ميشال عون ومنها مواضيع ساخنة تعالج عبره كملف أحداث الشويفات. وتقوِّم الأوساط الجنبلاطية العلاقة مع "بيت الوسط" على أنها باردة وفاترة، فـ"الحليب لا يُشرب ساخناً". الى ذلك، لم ينقطع التواصل بين الحريري وجنبلاط وتم تجاوز ملف بلدية شحيم، رغم الملاحظات المستمرة حول الأداء الحكومي.
واذا كانت الملاحظات الحكومية متشارَكة الى حدٍّ ما بين الحزب التقدمي و"القوات اللبنانية" و"المردة"، الا أن التعامل بين الكتل النيابية مستمر على القطعة ولا انقسامات عمودية رغم التقاطع الواضح في وجه الحلف الثنائي "الحريري – الباسيلي". وتبقى الأنظار شاخصة الى الثنائي الشيعي الذي يظهر برودة في التعامل مع الملفات الراهنة. الا أن أوساطا مطلعة تنقل جهداً حثيثاً لكتلتي "التنمية والتحرير" و"الوفاء للمقاومة" في مواجهة بعض الملفات والسعي الى تعديل جذري لبعض البنود الاساسية في مشروع الموازنة.