مؤتمر البحرين: تنفيذ السياسات قبل إعلانها؟

فوزي أبو ذياب |

لم تحسم الدول المدعوة الى مؤتمر البحرين في 25 و26 حزيران، قرار مشاركتها من عدمه، كما أن العديد من هذه الدول لم يحدّد بعد قرار مستوى مشاركته في هذه الورشة التي أثارت الكثير من الجدل حول جدوى انعقادها أم لا، خاصةً في تلك الظروف الدقيقة التي تمرّ بها المنطقة، حيث بلغ التوتر الإقليمي حدّ الانفجار بعد الأحداث المتلاحقة التي تشهدها منطقة الخليج العربي على خلفية التصعيد الأميركي-الإيراني، منذ تشديد العقوبات الأميركية على طهران بداية أيار الماضي. خاصة وأن المؤتمر يرتبط بشكل مباشر بالصراع العربي – الإسرائيلي، وبمستقبل القضية الفلسطينية، التي كانت ولا تزال، القضية العربية المركزية.

 وكانت الولايات المتحدة الأميركية، ومملكة البحرين، أعلنتا في بيانٍ مشترك أن العاصمة المنامة ستستضيف في 25 و26 حزيران الجاري، مؤتمراً تحت عنوان، "تشجيع الاستثمار في المناطق الفلسطينية"، وذلك في إطار "صفقة القرن". أعلن الفلسطينيون مقاطعتهم ورفضهم للمؤتمر، ولصفقة القرن جملةً وتفصيلاً باعتبارها وثيقة استسلام، وليست سلام، وذلك لتبنّيها وجهة النظر الإسرائيلية للحل، والتي تهدف إلى إسقاط القضية الفلسطينية، وإلغاء الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بدولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين الى أرضهم، والتي أقرتها القوانين الدولية.

وكانت صحف غربية عديدة قد سرّبت عناوين الخطة الأمريكية التي انكبّ على صياغتها مستشارو ترامب الثلاثة، وهم المبعوث الخاص جيسون غرينبلات، وصهره جاريد كوشنر، والسفير الأمريكي في إسرائيل ديفيد فريدمان، وهم من أصل يهودي، ومؤيدون لإسرائيل وللمشاريع الاستيطانية فيها، ويعارضون حلّ الدولتين.

وأشارت الصحف إلى أن خطة ترامب للسلام تنقسم إلى قسمين، "السلام الاقتصادي" في المرحلة الأولى، ثم "السلام السياسي" في المرحلة الثانية والتي لم يحدّد موعدها بعد. وفي هذا السياق كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية في تقرير عرضته حول صفقة القرن أن فكرة "السلام الاقتصادي"، هي خطة طرحها بنيامين نتنياهو في عام 2008، عندما كان رئيساً للمعارضة، لافتةً إلى أن، "نتنياهو يرى أن المفاوضات الاقتصادية يجب أن تُجرى قبل المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين"، بهدف، "تقديم أفق للجمهور الفلسطيني بأنه من الممكن تحسين حياتهم، وتقديم الطعام إلى مائدتهم".

وأضافت الصحيفة أن "نتنياهو يؤثّر على ترامب في مسألة الترتيب مع الفلسطينيين"، معتقدة بأن، "الإدارة الأمريكية قبِلت باقتراح نتنياهو، وتبنّت السلام الاقتصادي من خلال الدعوة إلى مؤتمر البحرين".

هذا المؤتمر وزّع صهر الرئيس الأميركي، جاريد كوشنير، دعوات حضوره على القادة والزعماء العرب، وقال المسؤولون الأمريكيون بأنهم وجّهوا الدعوة لوزراء الاقتصاد والمالية، وكذلك لكبار قطاع الأعمال بالمنطقة والعالم، للمشاركة وبحث الاستثمار في الاقتصاد الفلسطيني المتعثّر في قطاع غزة والضفة الغربية، "حيث تعتزم مؤسّسات مالية دولية، ومنها صندوق النقد والبنك الدوليّان، الحضور". وأثارت تسريبات المسؤولين الأميركيين عن الدول التي وعدت بالحضور التباساً وإحراجاً لدى البعض منها، وحيث سارعت المغرب والكويت والأردن الى الإعلان عن أنها لم تحسم بعد قرار مشاركتها، فيما أعلن لبنان والعراق رفضهم المشاركة. كما أعلنت الأمم المتحدة بأنها لن تشارك في المؤتمر، بحسب ما قال الناطق باسم المنظمة الدولية فرحان حق، مشيراً إلى أنه، "في هذه المرحلة، لم أبلّغ بحضور أي شخص". كما أعلن سفير الصين لدى السلطة الفلسطينية أن بلاده وروسيا الاتحادية لن تحضرا مؤتمر البحرين. لكن من المتوقع أن تحضر المؤتمر كل من دول الإمارات والسعودية ومصر، دون تحديد مستوى المشاركة.

مصادر فلسطينية مطلعة علّقت لـ"الأنباء" على التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر البحرين بالقول: "نحن هنا إزاء إشكالية جديدة عنوانها تنفيذ السياسات قبل إعلانها، فيكون الإعلان عبارة عن توقيع. ونحن هنا في سياق صفقة القرن التي هي من السياسات التي يتم تنفيذها على أرض الواقع، ثم يجري الإعلان عنها والتوقيع عليها، من خلال مراكمة وقائع ميدانية".

 ورأت المصادر أن "الإعلان عن صفقة القرن بدأ مع الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، والذي أعقبه نقل السفارة الأميركية إليها. وكذلك الاعتراف بالمستوطنات، وإسقاط حل الدولتين، وهذه نقاط مدرجة في صفقة القرن، وقد تم تنفيذها على أرض الواقع".

وبالتالي، "إن مؤتمر البحرين هو الخطوة التنفيذية للشق الاقتصادي من صفقة القرن، والذي يُفترض، وفق رأي المتهافتين إلى البحرين، بأنه سينعش حياة الفلسطينيين بعد أن دوّختهم المواقف السلبية التي تتعارض تعارضاً كاملاً مع طموحهم الوطني، وحقّهم في تقرير المصير، بصفتهم شعب كامل العضوية الإنسانية".

 وأشارت المصادر الى ضرورة التريّث في الحكم على نتائج هذا المؤتمر، والى، "ترقّب مشاركة الدول العربية في المؤتمر، وطبيعة هذه المشاركة وكيفيتها، وبحيث أنه قد تكون هناك مشاركة شكلية جراء مخاطر الضغط الأميركي على تلك الدول. وهذا قد يكون أيضاً سبب دعوة البحرين لهذا المؤتمر، حيث تقع تحت ضغط المطلب الأميركي الذي دفعها لاحتضان هذا المؤتمر، أو مشاركةً تنمّ عن استعدادٍ عمليٍ للوصول الى الحلول اللازمة".

 كما حذّرت المصادر الفلسطينية من مخاطر الدخول القطري على خط الحالة الفلسطينية، الملفت في صيغته وشكله وتوقيته، وحيث تدفع الأموال لتغطية رواتب الموظفين في السلطة، والالتزام بتأمين الحماية المالية لهم، وذلك على الرغم من رفض السلطة استقبال الأموال الفلسطينية المستحقة على إسرائيل إذا استمرت إسرائيل بحسم رواتب الأسرى منها".

 ورأت أن هذه الحركة تدل على أنه ثمة تعامل أمريكي ملتبس مع السلطة الفلسطينية من خلال قطر، ففي الوقت الذي تضغط فيه إسرائيل على السلطة، تتجه الإدارة الأميركية في مسارٍ آخر مختلفٍ عن الموقف المعلن من السلطة الفلسطينية. وهنا إشكالية فلسطينية أيضاً، إذ كيف سيتم استنكار الدعم المالي القطري لحركة حماس، وفي نفس الوقت تقبل السلطة الفلسطينية دعماً قطرياً مضاعفاً لموازنتها.

ورأت المصادر أن، "الهدف الأميركي – القطري المباشر هو تثبيت الموقع الفلسطيني على حاله، ومنع تطور أي إشكالٍ يؤدي إلى الفوضى أو انهيار السلطة، أو أي مشكلات على مستوى الضفة الغربية. لأنه كما نتنياهو وواشنطن يحرصان على إبقاء غزة تحت سلطة حماس، هم أيضاً يحرصان، من زاوية مصالحهم، أن تبقى الضفة الغربية تحت السلطة الفلسطينية بواقعها الراهن، وبأساليب عملها الراهنة".

 لذلك ترى المصادر أن "الغموض هو سيّد الموقف، فمن يدعون لتوفير شبكة أمان للسلطة الفلسطينية، هم أنفسهم يعملون ضد السلطة سياسياً". والأكثر غرابةً في هذا الغموض هو، "انخراط البراغماتية الفلسطينية التي تنتهجها السلطة في "انخراطها في الموقفين"، و"الرافض لصفقة القرن"، و"الذاهب الى تطوير العلاقة مع قطر، وتلقي معونات مالية ضخمة منها بتوجيه أميركي".

"المشهد قاتم الى درجة ينذر بتحولاتٍ خطرة لا ندرك مداها". وتضيف المصادر قولها: "إذا كانت قطر موكلة، وظيفياً، حلّ الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية ولحركة حماس، وإذا كانت البحرين موكلة ًباحتضان المؤتمرات الدولية التي ستُعقد تحت شعار، "تسيير صفقة القرن"، فإن ذلك يعني بأننا أمام تحولٍ وتطورٍ قد ينسف ما سمي بـ "الإجماع العربي" الذي بُني على أساسه "إعلان تونس" الذي يلتزم خيار "حل الدولتين"، والمبادرة العربية، الأرض مقابل السلام، والتي أُطلقت في بيروت، حيث يتطابق الموقف العربي الرسمي مع الموقف الفلسطيني التاريخي. إذاً هل نتجّه نحو مسارٍ آخر نخسر فيه القضية الفلسطينية، وتخسر فلسطين بُعديها العربي والإسلامي؟".