"شراكة" الحريري وباسيل: التآمر على جنبلاط وجعجع.. وبرّي

منير الربيع- المدن |

يكوي السكوت جراح القوى المتضررة من التسوية السياسية القائمة منذ 31 تشرين الأول 2016. وعند كل استحقاق ينزف جرحهم أكثر، فيضطرون إلى وضع الملح عليه والتألم صمتاً. ليست هي المرّة الأولى التي يحدث فيها التهميش المتعمّد لقوى أساسية، كانت ما قبل التسوية والانتخابات النيابية الأخيرة، ذات فعالية أكبر سياسياً. قبل نيل القوات اللبنانية 15 نائباً، كانت فعاليتها السياسية أكبر بثمانية نواب، نظراً إلى الوضعية العامة في البلد، واستناداً إلى التحالفات الكبيرة والمواقف الموحَّدة. ورغم نشوة "القوات" بتحقيق هذا التقدم الكبير نسبياً، إلا أنها تبدو اليوم مهمّشة غير قادرة على طرح أي مبادرة سياسية مؤثرة. وإذا ما وجدت الفكرة، يكون الفشل في تسويقها هو المصير المحتّم. وغالباً ما يسطو عليها "التيار الوطني الحرّ" ويصادرها ويدّعي أبوتها ويجني ثمارها!

روحية الانتقام
لم يكن وليد جنبلاط يوماً في الحالة التي أصبح عليها اليوم، لا هو ولا الرئيس نبيه برّي، مع فارق أساسي أن دور بري يبقى محفوظاً بفعل شراكاته المتعددة، سواء بالاستناد إلى موقعه داخل الطائفة، أو بفضل منصبه كرئيس للبرلمان أو بفعل علاقته الممتازة مع الجميع، بالإضافة إلى حرص حزب الله عليه. بينما جنبلاط يبدو أنه يتعرض عمّداً إلى الاستفراد وإلى تعريته من حلفائه، واستمرار الضغط عليه إلى أقصى الحدود وأقساها، فيكثر هواة ضربه من داخل الجبل والشوف أو من خصومه المحليين وما وراء الحدود.

سليمان فرنجية يبدو شبه غائب عن المشهد، هو الحليف اللصيق والوثيق لحزب الله. ولكن في هذه المرحلة لا مجال للعواطف. فتوسع التيار الوطني الحرّ والمقدرات التي بات يملكها بفعل استحواذه على السلطة، وامتداده الشعبي، يمثل حاجة استراتيجية لحزب الله. ولذلك لا يترك التيار الوطني الحرّ فرصة إلا ويثبت من خلالها أنه الأنجع في توفير كل ما يريده الحزب سياسياً واستراتيجياً.. وكذلك يقدّم نفسه المعبر الوحيد لتحقيق طموحات الرئيس سعد الحريري.

عادت الأمور إلى مجاريها بين التيارين البرتقالي والأزرق. عاصفة التوتر لم تكن أكثر من مجرد غيمة صيف عابرة. التلازم السلطوي بين الطرفين يمثّل معركة وجودية بالنسبة إليهما، ولو كان ذلك يلتقي في نهاية المطاف على تجويف اتفاق الطائف. وعليه، يمكن اليوم الفرز السياسي بين ثلاث قوى أساسية تمثّل عماد التسوية، وهي تضم إلى جانب التيارين حزب الله. وللحزب مصلحة سياسية واستراتيجية في كل ما يحدث، طالما أن الجميع بحاجة إليه ويسعون لكسب رضاه. التيار الوطني الحرّ يريد الانتقام من الحقبات السابقة عبر مدّ اليد على كل شيء، في السياسة والاقتصاد والإدارة.. وصولاً الآن وفي التعيينات للمناصب المهمة داخل الدولة. ورئيس تيار المستقبل أيضاً يريد الانتقام من الذين يعتبرهم "ورّطوه" بخياراته السياسية طوال السنوات التي سبقت التسوية، حين خرج من المشهد السياسي وخسر رئاسة الحكومة. ولذا، تظهر مواقف الحريري الطامحة لتعزيز العلاقات غير المباشرة مع حزب الله والمباشرة مع التيار الوطني الحرّ. وكأنها بمثابة "قتل الأب السياسي". وهذا القتل نراه مع الانطلاقة الجديدة السياسية للحريري، والتي تقطع مع جنبلاط ومع القوات اللبنانية.

ملف التعيينات
تستمر القوى المتضررة من استمرار التسوية بالمكابرة، وبالإدعاء بأنها كانت شريكة في صناعتها، والمقصود هنا القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، اللذين لولاهما لما انتخب عون رئيساً للجمهورية. كان الاعتقاد لديهما بأن السير في هذه التسوية سيقيهمها شرّ الخصومة التاريخية مع التيار الحرّ، فلا يتوانيان عن التذكير بأنهما شاركا بصنع التسوية. لكن الطرف المقابل لا يتوانى عن توجيه الضربات لهم. وهذا المسار كان قد بدأ منذ إقرار قانون الانتخاب، والذي كان يريده حزب الله وأخرجته القوات اللبنانية. لكنه في النهاية ظهر وكأنه قانون الوزير جبران باسيل. مسار توضّح أكثر في عملية تشكيل الحكومة، وستظهر نتائجه الجديدة في ملف التعيينات، الذي سيكون مطروحاً في الأيام المقبلة.

سيلتقي الحريري مع باسيل قريباً، للبحث في ملف التعيينات. والتي على ما يبدو من الآن، سيحقق وزير الخارجية ما يريده منها، فهو يريد الاستحواذ على خمسين بالمئة من هذه التعيينات. وهي الحصة المسيحية كاملة، مقابل حصول الطرف الآخر (المستقبل، حزب الله، حركة أمل، والحزب التقدمي الإشتراكي) على الخمسين بالمئة الأخرى. مشروع باسيل واضح، وهو استعادة كل المواقع المسيحية، ولو كان ذلك على حساب القوات والمردة، وأيضاً على حساب بعض المواقع المسيحية المحسوبة على "المستقبل"، الذي سيجرده باسيل منها.

يمثل هذا الطرح حتى الآن إشكالاً سياسياً، لكن باسيل سيصرّ على ما يريد وسيكون قادراً على تحقيقه، لسبيين أساسيين. الحريري مستعد للتنازل عن الكثير مقابل تمرير مؤتمر سيدر، ولأن باسيل لديه طروحات من شأنها إحراج الحريري، الذي إذا ما رفض تقديم أي تنازل، فسيفتح باسيل له ملفات أخرى، كطرح تعيين بديل لمدير عام قوى الأمن الداخلي، ورفض تعيين نديم المنلا رئيساً لمجلس الإنماء والإعمار، أو إثارة موضوع تعيين بديل لحاكم مصرف لبنان أو بدائل عن نوابه الأربعة، أو فتح ملف الاتصالات والميدل إيست.. حينها سيضطر الحريري إلى تقديم التنازل المطلوب، ولو غطى ذلك بغبار إعلامي ولفظي.

الصمت ليس خياراً
من الواضح أن هذه التعيينات ستستهدف مجدداً القوات اللبنانية والحزب الاشتراكي، اللذين لن تشفع لهما مواقف التهدئة ولا الإدعاء مجدداً بأنهما كانا من صنّاع التسوية. عنوان المعركة أصبح معروفاً، حزب الله له حصرية القضايا الاستراتيجية والسياسة الكبرى والقرارات المصيرية، في المقابل يتفرغ "المستقبل" و"التيار الوطني الحرّ" لتثبيت ركائزهما السلطوية والتأسيس عليها لحقبة مديدة، وفق قناعة أصبحت واضحة لديهما، أن جنبلاط والقوات وحتى الرئيس نبيه بري ضمناً، وسليمان فرنجية، جميعهم من مرحلة سياسية سابقة، لا بد من التخلص منهم.

وعليه، فإن استمرار هذه القوى على صمتها، لن يؤدي إلا لمراكمة المزيد من الخسائر. وثمن الانتظار سيكون كبيراً جداً.